الخصب للمراعي والعيش من حمير وكهلان مثل لخم وجذام وغسّان وطيّئ وقضاعة وإياد فاختلطت أنسابهم وتداخلت شعوبهم . ففي كل واحد من بيوتهم من الخلاف عند الناس ما تعرف . وإنما جاءهم ذلك من قبل العجم ومخالطتهم .
وهم لا يعتبرون المحافظة على النسب في بيوتهم وشعوبهم ؛ وإنّما هذا للعرب فقط .
( مقد 2 ، 485 ، 6 ) - لم يكن لاطّراح العرب أمر النسب ، وإنما كان لاختصاصهم بالمواطن بعد الفتح حتى عرفوا بها ، وصارت لهم علامة زائدة على النسب يتميّزون بها عند أمرائهم . ثم وقع الاختلاط في الحواضر مع العجم وغيرهم ، وفسدت الأنساب بالجملة وفقدت ثمرتها من العصبية فاطّرحت ثم تلاشت القبائل ودثرت ، فدثرت العصبية بدثورها وبقي ذلك في البدو كما كان .
( مقد 2 ، 486 ، 13 )
- إنّ العرب لا يتغلّبون إلّا على البسائط :
وذلك أنّهم بطبيعة التوحّش الذي فيهم أهل انتهاب وعبث ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر ويفرّون إلى منتجعهم بالقفر ؛ ولا يذهبون إلى المزاحفة والمحاربة إلّا إذا دفعوا بذلك عن أنفسهم .
فكل معقل أو مستعصب عليهم فهم تاركوه إلى ما يسهل عنه ، ولا يعرضون له .
والقبائل الممتنعة عليهم بأوعار الجبال بمنجاة من عبثهم وفسادهم ؛ لأنّهم لا يتسنّمون إليهم الهضاب ، ولا يركبون الصعاب ، ولا يحاولون الخطر . وأمّا البسائط متى اقتدروا عليها بفقدان الحامية وضعف الدولة فهي نهب لهم وطعمة لأكلهم ، يرددون عليها الغارة والنهب والزحف لسهولتها عليهم ، إلى أن يصبح أهلها مغلّبين لهم ، ثم يتعاورونهم باختلاف الأيدي وانحراف السياسة ، إلى أن ينقرض عمرانهم . ( مقد 2 ، 513 ، 4 )
- إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة ، والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحّش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمّة والمنافسة في الرئاسة ؛ فقلّما تجتمع أهواؤهم . فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم ، وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم ، فسهل انقيادهم واجتماعهم . وذلك بما يشملهم من الدين المذهب للغلظة والأنفة الوازع عن التحاسد والتنافس . ( مقد 2 ، 516 ، 1 )
- إنّ العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك :
والسبب في ذلك أنّهم أكثر بداوة من سائر الأمم ، وأبعد مجالا في القفر ، وأغنى عن حاجات التلول وحبوبها لاعتيادهم الشظف وخشونة العيش ، فاستغنوا عن غيرهم ؛ فصعب انقياد بعضهم لبعض لإيلافهم ذلك وللتوحّش ؛ ورئيسهم محتاج إليهم غالبا للعصبية التي بها المدافعة ، فكان مضطرا إلى إحسان ملكتهم وترك مراغمتهم ، لئلا يختلّ عليه شأن عصبيّته ، فيكون فيها هلاكه وهلاكهم . وسياسة الملك والسلطان تقتضي أن يكون السائس وازعا بالقهر ،
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 172
مساهمون: رفيق العجم
ص١٧٢