الصنائع وإجادتها إنّما تطلبها الدولة ، فهي التي تنفق سوقها وتوجّه الطلبات إليها ، وما لم تطلبه الدولة وإنّما يطلبها غيرها من أهل المصر فليس على نسبتها ؛ لأنّ الدولة هي السوق الأعظم . وفيها نفاق كل شيء ، والقليل والكثير فيها على نسبة واحدة ، فما نفق منها كان أكثريّا ضرورة . والسوقة وإن طلبوا الصناعة فليس طلبهم بعام ، ولا سوقهم بنافقة . ( مقد 2 ، 940 ، 11 )
صناعة البناء
- صناعة البناء : هذه الصناعة أوّل صنائع العمران الحضريّ وأقدمها ، وهي معرفة العمل في اتّخاذ البيوت والمنازل للسكن والمأوى للأبدان في المدن . وذلك أنّ الإنسان لما جبل عليه من الفكر في عواقب أحواله لا بدّ أن يفكّر فيما يدفع عنه الأذى من الحرّ والبرد ، كاتّخاذ البيوت المكتنفة بالسقف والحيطان من سائر جهاتها . والبشر مختلف في هذه الجبلة الفكريّة ، فمنهم المعتدلون فيها يتّخذون ذلك باعتدال كأهالي الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس . وأمّا أهل البدو فبعيدون عن اتّخاذ ذلك لقصور أفكارهم عن إدراك الصنائع البشريّة فيبادرون للغيران والكهوف المعدّة من غير علاج . ( مقد 2 ، 944 ، 11 )
- قد يحتاج لهذه الصناعة أيضا ( صناعة البناء ) عند تأسيس الملوك وأهل الدول المدن العظيمة والهياكل المرتفعة ، ويبالغون في اتقان الأوضاع وعلو الأجرام مع الإحكام لتبلغ الصناعة مبالغها . وهذه الصناعة هي التي تحصل الدواعي لذلك .
وأكثر ما تكون هذه الصناعة في الأقاليم المعتدلة من الرابع وما حواليه ، إذ الأقاليم المنحرفة لا بناء فيها ، وإنّما يتّخذون البيوت حظائر من القصب والطين ( ويأوون إلى الكهوف والغيران ) . ( مقد 2 ، 945 ، 17 )
- أهل هذه الصناعة ( صناعة البناء ) القائمون عليها متفاوتون : فمنهم البصير الماهر ؛ ومنهم القاصر . ثم هي تتنوّع أنواعا كثيرة .
فمنها البناء بالحجارة المنجّدة يقام بها الجدران ملصقا بعضها إلى بعض بالطين والكلس الذي يعقد معها ويلتحم كأنّها جسم واحد . ومنها البناء بالتراب خاصة يتّخذ لها لوحان من الخشب مقدّران طولا وعرضا باختلاف العادات في التقدير ، وأوسطه أربع أذرع ، في ذراعين ، فينصبان على أساس ، وقد بوعد ما بينهما بما يراه صاحب البناء في عرض الأساس ، ويوصل بينهما بأذرع من الخشب يربط عليها بالحبال والجدر ، ويسند الجهتان الباقيتان من ذلك الخلاء بينهما بلوحين آخرين صغيرين ، ثم يوضع فيه التراب مخلطا بالكلس ، ويركز بالمراكز المعدّة حتى ينعم ركزه وتختلط أجزاؤه ، ثم يزاد التراب ثانيا وثالثا إلى أن يمتلئ ذلك الخلاء بين اللوحين ، وقد تداخلت أجزاء الكلس والتراب وصارت جسما واحدا . ثم يعاد نصب اللوحين على الصورة ، ويركز كذلك إلى أن يتمّ وينظم الألواح كلها سطرا من