الرزق على نسبة الحاجة إليهم على النحو الذي قرّرناه ، لا يساويهم بأهل الشوكة ولا بأهل الصنائع ، من حيث الدين والمراسم الشرعيّة ، ولكنه يقسّم بحسب عموم الحاجة وضرورة أهل العمران ، فلا يصحّ في قسمهم إلا القليل . وهم أيضا لشرف بضائعهم أعزّة على الخلق وعند نفوسهم ، فلا يخضعون لأهل الجاه حتى ينالوا منه حظّا يستدرّون به الرزق ، بل ولا تفرغ أوقاتهم لذلك ، لما هم فيه من الشغل بهذه الصنائع الشريفة المشتملة على أعمال الفكر والبدن ، بل ولا يسعهم ابتذال أنفسهم لأهل الدنيا لشرف صنائعهم ، فهم بمعزل عن ذلك . فلذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب . ( مقد 2 ، 925 ، 16 )
صنائع معاشيّة
- القياس والمحاكاة للإنسان طبيعة معروفة ، ومن الغلط غير مأمونة ، تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده ، وتعوج به عن مرامه .
فربّما يسمع السامع كثيرا من أخبار الماضين ولا يتفطّن لما وقع من تغيّر الأحوال وانقلابها ، فيجريها لأوّل وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد ؛ وقد يكون الفرق بينهما كثيرا ، فيقع في مهواة من الغلط . فمن هذا الباب ما ينقله المؤرّخون من أحوال الحجّاج وأنّ أباه كان من المعلّمين ؛ مع أنّ التعليم لهذا العهد من جملة الصنائع المعاشيّة البعيدة من اعتزاز أهل العصبيّة ؛ والمعلّم مستضعف مسكين ، منقطع الجذم . فيتشوّف الكثير من المستضعفين أهل الحرف والصنائع المعاشيّة إلى نيل الرتب التي ليسوا لها بأهل ويعدّونها من الممكنات لهم فتذهب بهم وساوس المطامع ، وربما انقطع حبلها من أيديهم فسقطوا في مهواة الهلكة والتلف ، ولا يعلمون استحالتها في حقهم ، وأنّهم أهل حرف وصنائع للمعاش ، وأنّ التعليم صدر الإسلام والدولتين لم يكن كذلك ، ولم يكن العلم بالجملة صناعة ، إنّما كان نقلا لما سمع من الشارع وتعليما لما جهل من الدين على جهة البلاغ . فكان أهل الأنساب والعصبيّة الذين قاموا بالملّة هم الذين يعلّمون كتاب اللّه وسنّة نبيّه صلى اللّه عليه وسلم ، على معنى التبليغ الخبري لا على وجه التعليم الصناعي . ( مقد 1 ، 322 ، 5 )
صنائع وأولياء
- إذا كانت هذه الولاية بين القبيل وبين أوليائهم قبل حصول الملك لهم ، كانت عروقها أوشج ، وعقائدها أصحّ ، ونسبها أصرح ، لوجهين : أحدهما أنّهم قبل الملك أسوة في حالهم ، فلا يتميّز النّسب عن الولاية إلّا عند الأقلّ منهم ، فيتنزّلون منهم منزلة ذوي قرابتهم وأهل أرحامهم . وإذا اصطنعوهم بعد الملك كانت مرتبة الملك مميّزة للسيّد عن المولى ، ولأهل القرابة عن أهل الولاية والاصطناع ، لما تقتضيه أحوال الرئاسة والملك من تميّز الرتب وتفاوتها ، فتتميّز حالتهم ويتنزّلون منزلة الأجانب ، ويكون الالتحام بينهم أضعف