الضرورة ، إذ هي كلها وسائل إلى غيرها وليست مقصودة لذاتها . وإذا زخر بحر العمران وطلبت فيه الكمالات ، كان من جملتها التأنّق في الصنائع واستجادتها ، فكملت بجميع متمّماتها وتزايدات صنائع أخرى معها مما تدعو إليه عوائد الترف وأحواله من جزّار ودبّاغ وخرّاز وصائغ وأمثال ذلك . وقد تنتهي هذه الأصناف إذا استبحر العمران إلى أن يوجد منها كثير من الكمالات ، والتأنّق فيها في الغاية ، وتكون من وجوه المعاش في المصر لمنتحلها ، بل تكون فائدتها من أعظم فوائد الأعمال ، لما يدعو إليه الترف في المدينة مثل الدهّان والصفّار والحمّاميّ والطبّاخ والسفّاح والهرّاس ومعلّم الغناء والرقص وقرع الطبول على التوقيع ، ومثل الورّاقين الذين يعانون صناعة انتساخ الكتب وتجليدها وتصحيحها ، فإن هذه الصناعة إنّما يدعو إليها الترف في المدينة من الاشتغال بالأمور الفكرية وأمثال ذلك . وقد تخرج عن الحدّ إذا كان العمران خارجا عن الحدّ ، كما بلغنا عن أهل مصر أنّ فيهم من يعلّم الطيور العجم والحمر الإنسيّة ، ويتخيّل أشياء من العجائب بإيهام قلب الأعيان ، وتعليم الحداء والرقص والمشي على الخيوط في الهواء ، ورفع الأثقال من الحيوان والحجارة ، وغير ذلك من الصنائع التي لا توجد عندنا بالمغرب ، لأنّ عمران أمصاره لم يبلغ عمران مصر والقاهرة .
( مقد 2 ، 936 ، 13 )
صناعة
- اعلم أنّ الصناعة هي ملكة في أمر عمليّ فكري ، وبكونه عمليّا هو جسمانيّ محسوس . والأحوال الجسمانية المحسوسة فنقلها بالمباشرة أوعب لها وأكمل . لأنّ المباشرة في الأحوال الجسمانيّة المحسوسة أتمّ فائدة ، والملكة صفة راسخة تحصل عند استعمال ذلك الفعل وتكرّره مرّة بعد أخرى ، حتى ترسخ صورته ؛ وعلى نسبة الأصل تكون الملكة .
ونقل المعاينة أوعب وأتمّ من نقل الخبر والعلم ؛ فالملكة الحاصلة عنه أكمل وأرسخ من الملكة الحاصلة عن الخبر .
وعلى قدر جودة التعليم وملكة المعلّم يكون حذق المتعلّم في الصناعة وحصول ملكته . ( مقد 2 ، 935 ، 8 )
- إنّ الإنسان لا يسمح بعمله أن يقع مجّانا لأنّه كسبه ومنه معاشه ، إذ لا فائدة له في جميع عمره في شيء ممّا سواه ؛ فلا يصرفه إلّا فيما له قيمة في مصره ليعود عليه بالنفع . وإن كانت الصناعة مطلوبة وتوجّه إليها النّفاق كانت حينئذ الصناعة بمثابة السلعة التي تنفق سوقها وتجلب للبيع ، فتجتهد الناس في المدينة لتعلّم تلك الصناعة ليكون منها معاشهم ، وإذا لم تكن الصناعة مطلوبة لم تنفق سوقها ، ولا يوجّه قصد إلى تعلّمها ، فاختصّت بالترك وفقدت للإهمال . ولهذا يقال عن علي رضي اللّه عنه : « قيمة كل امرئ ما يحسن » ، بمعنى أنّ صناعته هي قيمته أي قيمة عمله الذي هو معاشه . وأيضا فهنا سر آخر وهو أن