والتناصر لذلك أبعد ، وذلك أنقص من الاصطناع قبل الملك . الوجه الثاني أنّ الاصطناع قبل الملك يبعد عهده عن أهل الدولة بطول الزمان ، ويخفى شأن تلك اللحمة ، ويظنّ بها في الأكثر النّسب فيقوى حال العصبيّة . وأمّا بعد الملك فيقرب العهد ويستوي في معرفته الأكثر ، فتتبيّن اللحمة وتتميّز عن النسب فتضعف العصبيّة بالنسبة إلى الولاية التي كانت قبل الدولة .
واعتبر ذلك في الدول والرئاسات تجده .
فكل من كان اصطناعه قبل حصول الرئاسة والملك لمصطنعه تجده أشدّ التحاما به ، وأقرب قرابة إليه ، ويتنزّل منه منزلة أبنائه وإخوانه وذوي رحمه . ومن كان اصطناعه بعد حصول الملك والرئاسة لمصطنعه لا يكون له من القرابة واللحمة ما للأوّلين .
وهذا مشاهد بالعيان ؛ حتى إن الدولة في آخر عمرها ترجع إلى استعمال الأجانب واصطناعهم ، ولا يبنى لهم مجد كما بناه المصطنعون قبل الدولة ، لقرب العهد حينئذ بأوّليتهم ومشارفة الدولة على الانقراض ، فيكونون منحطين في مهاوي الضعة . وإنما يحمل صاحب الدولة على اصطناعهم والعدول إليهم عن أوليائها الأقدمين وصنائعها الأولين ما يعتريهم في أنفسهم من العزّة على صاحب الدولة ، وقلّة الخضوع له ، ونظره بما ينظره به قبيله وأهل نسبه ، لتأكّد اللحمة منذ العصور المتطاولة بالمربى والاتصال بآبائه وسلف قومه ، والانتظام مع كبراء أهل بيته ؛ فيحصل لهم بذلك دالّة عليه واعتزاز ؛ فينافرهم بسببها صاحب الدولة ، ويعدل عنهم إلى استعمال سواهم ؛ ويكون عهد استخلاصهم واصطناعهم قريبا ، فلا يبلغون رتب المجد ، ويبقون على حالهم من الخارجية . وهكذا شأن الدول في أواخرها . وأكثر ما يطلق اسم الصنائع والأولياء على الأوّلين . وأمّا هؤلاء المحدثون فخدم وأعوان . ( مقد 2 ، 570 ، 6 )
صنائع وعلوم
- إنّ الناس ما لم يستوف العمران الحضري وتتمدّن المدينة إنّما همّهم في الضروريّ من المعاش ، وهو تحصيل الأقوات من الحنطة وغيرها . فإذا تمدّنت المدينة وتزايد فيها الأعمال ووفت بالضروريّ وزادت عليه ، صرف الزائد حينئذ إلى الكمالات من المعاش . ثم إنّ الصنائع والعلوم إنّما هي للإنسان من حيث فكره الذي يتميّز به عن الحيوانات ، والقوت له من حيث الحيوانيّة والغذائيّة ، فهو مقدّم لضروريّته على العلوم والصنائع . وهي متأخّرة عن الضروريّ . وعلى مقدار عمران البلد تكون جودة الصنائع للتأنّق فيها حينئذ ، واستجادة ما يطلب منها بحيث تتوفّر دواعي الترف والثروة . وأمّا العمران البدويّ أو القليل فلا يحتاج من الصنائع إلّا البسيط ، خاصّة المستعمل في الضروريّات من نجّار أو حدّاد أو خيّاط أو حائك أو جزّار . وإذا وجدت هذه بعد فلا توجد فيه كاملة ولا مستجادة ، وإنّما يوجد منها بمقدار