برميه من البر أو البحر ويسمّى اصطيادا ؛ وإمّا أن يكون من الحيوان الداجن باستخراج فضوله المنصرفة بين الناس في منافعهم كاللبن من الأنعام والحرير من دوده والعسل من نحله ؛ أو يكون من النبات في الزرع والشجر بالقيام عليه وإعداده لاستخراج ثمرته ، ويسمّى هذا كله فلحا ؛ وإمّا أن يكون الكسب من الأعمال الإنسانيّة : إمّا في موادّ معيّنة وتسمّى الصنائع من كتابة ونجارة وخياطة وحياكة وفروسية وأمثال ذلك ، أو في موادّ غير معينة وهي جميع الامتهانات والتصرّفات ؛ وإمّا أن يكون الكسب من البضائع وإعدادها للأعواض : إمّا بالتقلّب بها في البلاد ، أو احتكارها وارتقاب حوالة الأسواق فيها ، ويسمّى هذا تجارة . فهذه وجوه المعاش وأصنافه وهي معنى ما ذكره المحقّقون من أهل الأدب والحكمة كالحريري وغيره ، فإنهم قالوا : المعاش إمارة وتجارة وفلاحة وصناعة . ( مقد 2 ، 911 ، 5 )
- أمّا الفلاحة والصناعة والتجارة فهي وجوه طبيعيّة للمعاش . أمّا الفلاحة فهي متقدّمة عليها كلّها بالذات إذ هي بسيطة وطبيعيّة فطريّة لا تحتاج إلى نظر ولا علم ؛ ولهذا تنسب في الخليقة إلى آدم أبي البشر ، وأنّه معلمها والقائم عليها ، إشارة إلى أنّها أقدم وجوه المعاش وأنسبها إلى الطبيعة . وأمّا الصنائع فهي ثانيتها ومتأخّرة عنها لأنّها مركّبة وعلميّة تصرّف فيها الأفكار والأنظار ؛ ولهذا لا توجد غالبا إلّا في أهل الحضر الذي هو متأخر عن البدو وثان عنه ؛ ومن هذا المعنى نسبت إلى إدريس الأب الثاني للخليقة ، فإنّه مستنبطها لمن بعده من البشر بالوحي من اللّه تعالى .
وأمّا التجارة وإن كانت طبيعية في الكسب فالأكثر من طرقها ومذاهبها إنّما هي تحيلات في الحصول على ما بين القيمتين في الشراء والبيع لتحصل فائدة الكسب من تلك الفضلة . ولذلك أباح الشرع فيه المكايسة ، لما أنّه من باب المقامرة ، إلا أنّه ليس أخذا لمال الغير مجّانا ، فلهذا اختصّ بالمشروعيّة . ( مقد 2 ، 911 ، 16 )
- إنّ الصنائع منها البسيط ومنها المركّب ، والبسيط هو الذي يختصّ بالضروريّات ، والمركّب هو الذي يكون للكماليات .
والمتقدّم منها في التعليم هو البسيط لبساطته أولا ولأنّه مختصّ بالضروري الذي تتوفر الدواعي على نقله ؛ فيكون سابقا في التعليم ويكون تعليمه لذلك ناقصا . ولا يزال الفكر يخرّج أصنافها ومركّباتها من القوّة إلى الفعل بالاستنباط شيئا فشيئا على التدريج حتى تكمل . ولا يحصل ذلك دفعة وإنّما يحصل في أزمان وأجيال ؛ إذ خروج الأشياء من القوّة إلى الفعل لا يكون دفعة لا سيّما في الأمور الصناعيّة ، فلا بدّ له إذن من زمان . ولهذا تجد الصنائع في الأمصار الصغيرة ناقصة ، ولا يوجد منها إلّا البسيط . فإذا تزايدت حضارتها ودعت أمور الترف فيها إلى استعمال الصنائع ، خرجت من القوة إلى الفعل . ( مقد 2 ، 935 ، 15 )
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 148
مساهمون: رفيق العجم
ص١٤٨