بالنسب إنما هو ملصق لزيق ؛ وغاية التعصّب له بالولاء والحلف ؛ وذلك لا يوجب له غلبا عليهم البتّة . وإذا فرضنا أنه قد التحم بهم واختلط وتنوسي عهده الأول من الالتصاق ، ولبس جلدتهم ودعي بنسبهم ، فكيف له الرئاسة قبل هذا الالتحام أو لأحد من سلفه . والرئاسة على القوم إنما تكون متناقلة في منبت واحد تعيّن له الغلب بالعصبية . فالأولية التي كانت لهذا الملصق قد عرف فيها التصاقه من غير شك ومنعه ذلك الالتصاق من الرئاسة حينئذ ؛ فكيف تنوقلت عنه ، وهو على حال الإلصاق ؛ والرئاسة لا بدّ وأن تكون موروثة عن مستحقّها لما قلناه من التغلّب بالعصبية . وقد يتشرّف كثير من الرؤساء على القبائل والعصائب إلى أنساب يلهجون بها ، إما لخصوصيّة فضيلة كانت في أهل ذلك النسب من شجاعة أو كرم ، أو ذكر كيف اتّفق ؛ فينزعون إلى ذلك النسب ، ويتورّطون بالدعوى في شعوبه ؛ ولا يعلمون ما يوقعون فيه أنفسهم من القدح في رياستهم والطعن في شرفهم .
( مقد 2 ، 489 ، 8 )
- إن عمران البادية ناقص عن الحواضر والأمصار ؛ لأنّ الأمور الضروريّة في العمران ليس كلّها موجودة لأهل البدو ؛ وإنّما توجد لديهم في مواطنهم أمور الفلح ، وموادها معدومة ومعظمها الصنائع ، فلا توجد لديهم بالكلّية ، من نجّار وخيّاط وحدّاد وأمثال ذلك مما يقيم لهم ضروريّات معاشهم في المفلح وغيره .
وكذا الدنانير والدراهم مفقودة لديهم ؛ وإنّما بأيديهم أعواضها من مغلّ الزراعة وأعيان الحيوان أو فضلاته ألبانا وأوبارا وأشعارا وإهابا مما يحتاج إليه أهل الأمصار ، فيعوضونهم عنه بالدنانير والدراهم إلّا أنّ حاجتهم إلى الأمصار في الضروريّ وحاجة أهل الأمصار إليهم في الحاجيّ الكماليّ . فهم محتاجون إلى الأمصار بطبيعة وجودهم . فما داموا في البادية ولم يحصل لهم ملك ولا استيلاء على الأمصار فهم محتاجون إلى أهلها ويتصرّفون في مصالحهم وطاعتهم متى دعوهم إلى ذلك ، وطالبوهم به . وإن كان في المصر ملك كان خضوعهم وطاعتهم لغلب الملك . وإن لم يكن في المصر ملك فلا بدّ فيه من رئاسة ونوع استبداد من بعض أهله على الباقين وإلا انتقض عمرانه . وذلك الرئيس يحملهم على طاعته والسعي في مصالحه : إمّا طوعا ببذل المال لهم ، ثم يبذل لهم ما يحتاجون إليه من الضروريّات في مصره فيستقيم عمرانهم ؛ وإما كرها إن تمّت قدرته على ذلك ولو بالتفريق بينهم ، حتى يحصل له جانب منهم يغالب به الباقين ، فيضطرّ الباقون إلى طاعته بما يتوقعون لذلك من فساد عمرانهم . وربما لا يسعهم مفارقة تلك النواحي إلى جهات أخرى ، لأنّ كل الجهات معمور بالبدو الذين غلبوا عليها ومنعوها من غيرهم ، فلا يجد هؤلاء ملجئا إلا طاعة المصر . فهم بالضرورة مغلوبون لأهل الأمصار . ( مقد 2 ، 519 ، 15 )
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 124
مساهمون: رفيق العجم
ص١٢٤