إلى القومة عليه والمهرة فيه . وبقدر ما يتزيد من أصنافها تتزيّد أهل صناعتها ، ويتلوّن ذلك الجيل بها . ومتى اتّصلت الأيام وتعاقبت تلك الصناعات حذق أولئك الصناع في صناعتهم ، ومهروا في معرفتها . والأعصار بطولها وانفساح أمدها وتكرير أمثالها تزيدها استحكاما ورسوخا .
وأكثر ما يقع ذلك في الأمصار لاستبحار العمران وكثرة الرّفه في أهلها . وذلك كله إنما يجيء من قبل الدولة . لأنّ الدولة تجمع أموال الرعيّة وتنفقها في بطانتها ورجالها ، وتتّسع أحوالهم بالجاه أكثر من اتّساعها بالمال فيكون دخل تلك الأموال من الرعايا وخرجها في أهل الدولة ، ثم فيمن تعلّق بهم من أهل المصر ، وهم الأكثر . فتعظم لذلك ثروتهم ، ويكثر غناهم ، وتتزيّد عوائد الترف ومذاهبه ، وتستحكم لديهم الصنائع في سائر فنونه . .
وهذه هي الحضارة . ( مقد 2 ، 884 ، 7 )
- الدولة إنما يحصل لها الملك والاستيلاء بالغلب ، والغلب إنما يكون بعد العداوة والحروب ، والعداوة تقتضي منافاة بين أهل الدولتين وتكثر إحداهما عن الأخرى في العوائد والأحوال ، وغلب أحد المتنافيين يذهب بالمنافي الآخر ، فتكون أحوال الدولة السابقة منكرة عند أهل الدولة الجديدة ومستبشعة وقبيحة ، وخصوصا أحوال الترف ، فتفقد في عرفهم بنكير الدولة لها ، حتى تنشأ لهم بالتدريج عوائد أخرى من الترف ، فتكون عنها حضارة مستأنفة . وفيما بين ذلك قصور الحضارة الأولى ونقصها . وهو معنى اختلال العمران في المصر . ( مقد 2 ، 894 ، 1 )
- إن الصنائع وإجادتها إنّما تطلبها الدولة ، فهي التي تنفق سوقها وتوجّه الطلبات إليها ، وما لم تطلبه الدولة وإنّما يطلبها غيرها من أهل المصر فليس على نسبتها ؛ لأنّ الدولة هي السوق الأعظم . وفيها نفاق كل شيء ، والقليل والكثير فيها على نسبة واحدة ، فما نفق منها كان أكثريّا ضرورة . والسوقة وإن طلبوا الصناعة فليس طلبهم بعام ، ولا سوقهم بنافقة . ( مقد 2 ، 940 ، 14 )
دولة بدويّة
- إنّ الصنائع وكمالها إنّما هو بكمال الحضارة ، وكثرتها بكثرة الطلب لها ، فلذلك عندما تكون الدولة بدويّة في أوّل أمرها تفتقر في أمر البناء إلى غير قطرها ، كما وقع للوليد بن عبد الملك حين أجمع على بناء مسجد المدينة والقدس ومسجده بالشام ، فبعث إلى ملك الروم بالقسطنطينية في الفعلة المهرة في البناء فبعث إليه منهم من حصّل له غرضه من تلك المساجد .
( مقد 2 ، 948 ، 16 )
دولة عامّة
- إنّ الملك والدولة العامّة إنّما يحصلان بالقبيل والعصبية : وذلك . . . أنّ المبالغة والممانعة إنّما تكون بالعصبيّة لما فيها من النّعرة والتذامر واستماتة كل واحد منهم