في فعلها . والدولة في مركزها أشدّ مما يكون في الطرف والنطاق . وإذا انتهت إلى النطاق الذي هو الغاية عجزت وأقصرت عمّا وراءه . ( مقد 2 ، 532 ، 16 )
- يقال إنّ عدد بني مرين لأوّل ملكهم كان ثلاثة آلاف ، وإن بني عبد الواد كانوا ألفا ، إلّا أنّ الدولة وكثرة التابع كثّرت من أعدادهم . وعلى هذه النسبة في أعداد المتغلّبين لأول الملك يكون اتساع الدولة وقوّتها . وأمّا طول أمدها أيضا فعلى تلك النسبة ؛ لأنّ عمر الحادث من قوة مزاجه ؛ ومزاج الدول إنّما هو بالعصبيّة ؛ فإذا كانت العصبية قويّة كان المزاج تابعا لها وكان أمد العمر طويلا ؛ والعصبيّة إنّما هي بكثرة العدد ووفوره كما قلناه . والسبب الصحيح في ذلك أن النقص إنما يبدو في الدولة من الأطراف ؛ فإذا كانت ممالكها كثيرة كانت أطرافها بعيدة عن مركزها وكثيرة ؛ وكل نقص يقع فلا بدّ له من زمن ؛ فتكثر أزمان النقص لكثرة الممالك واختصاص كل واحد منها بنقص وزمان فيكون أمدها طويلا . وانظر ذلك في دولة العرب الإسلامية كيف كان أمدها أطول الدول ، لا بنو العباس أهل المركز ولا بنو أميّة المستبدّون بالأندلس . ولم ينقص أمر جميعهم إلّا بعد الأربعمائة من الهجرة .
( مقد 2 ، 535 ، 14 )
- الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قلّ أن تستحكم فيها دولة والسبب في ذلك اختلاف الآراء والأهواء . وأن وراء كل رأي منها وهوى عصبية تمانع دونها ، فيكثر الانتقاض على الدولة والخروج عليها في كل وقت ، وإن كانت ذات عصبية ؛ لأن كل عصبية ممن تحت يدها تظنّ في نفسها منعة وقوّة . ( مقد 2 ، 536 ، 13 )
- الأوطان الخالية من العصبيات يسهل تمهيد الدولة فيها ، ويكون سلطانها وازعا لقلّة الهرج والانتقاض ، ولا تحتاج الدولة فيها إلى كثير من العصبية ، كما هو الشأن في مصر والشام لهذا العهد ، إذ هي خلو من القبائل والعصبيات كأن لم يكن الشام معدنا لهم . ( مقد 2 ، 538 ، 3 )
- الدولة في الغالب لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال . والجيل هو عمر شخص واحد من العمر الوسط ، فيكون أربعين الذي هو انتهاء النمو والنشوء إلى غايته . ( مقد 2 ، 545 ، 18 )
- إنّ الترف يزيد الدولة في أوّلها قوّة إلى قوّتها ، والسبب في ذلك أنّ القبيل إذا حصل لهم الملك والترف كثر التناسل والولد والعموميّة ، فكثرت العصابة ؛ واستكثروا أيضا من الموالي والصنائع وربيت أجيالهم في جو ذلك النعيم والرّفه فازدادوا بهم عددا إلى عددهم وقوّة إلى قوّتهم بسبب كثرة العصائب حينئذ بكثرة العدد . فإذا ذهب الجيل الأوّل والثاني وأخذت الدولة في الهرم لم تستقل أولئك الصنائع والموالي بأنفسهم في تأسيس الدولة وتمهيد ملكها ، لأنّهم ليس لهم من الأمر شيء ، إنّما كانوا عيالا على أهلها ومعونة لها ؛ فإذا ذهب الأصل لم يستقلّ الفرع بالرسوخ فيذهب ويتلاشى ؛ ولا تبقى
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 103
مساهمون: رفيق العجم
ص١٠٣