تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
التعرّض لعقابهم . فصار لهم حجاب آخر أخصّ من الحجاب الأول ، يفضي إليهم منه خواصّهم من الأولياء ويحجب دونه من سواهم من العامّة ، والحجاب الثاني يفضي إلى مجالس الأولياء ، ويحجب دونه من سواهم من العامة . والحجاب الأول يكون في أوّل الدولة كما ذكرنا ، كما حدث لأيّام معاوية وعبد الملك وخلفاء بني أمية ، وكان القائم على ذلك الحجاب يسمّى عندهم الحاجب جريا على مذهب الاشتقاق الصحيح . ثم لما جاءت دولة بني العباس وجدت الدولة من الترف والعز ما هو معروف ، وكملت خلق الملك على ما يجب فيها ، فدعا ذلك إلى الحجاب الثاني ، وصار اسم الحاجب أخصّ به ، وصار بباب الخلفاء داران للعباسية : دار الخاصة ؛ ودار العامة ، كما هو مسطور في أخبارهم . ثم حدث في الدول حجاب ثالث أخصّ من الأولين ، وهو عند محاولة الحجر على صاحب الدولة وذلك أنّ أهل الدولة وخواص الملك إذا نصبوا الأبناء من الأعقاب ، وحاولوا الاستبداد عليهم ، فأوّل ما يبدأ به ذلك المستبد أن يحجب عنه بطانة أبيه وخواص أوليائه ، يوهمه أنّ في مباشرتهم إيّاه خرق حجاب الهيبة ، وفساد قانون الأدب ، ليقطع بذلك لقاء الغير ، ويعوده ملابسة أخلاقه هو ، حتى لا يتبدّل به سواه ، إلى أن يستحكم الاستيلاء عليه ، فيكون هذا الحجاب من دواعيه . وهذا الحجاب لا يقع في الغالب إلّا أواخر الدولة . . . ويكون دليلا على هرم الدولة ونفاد قوّتها . وهو مما يخشاه أهل الدول على أنفسهم ؛ لأنّ القائمين بالدولة يحاولون ذلك بطباعهم عند هرم الدولة وذهاب الاستبداد من أعقاب ملوكهم ، لما ركّب في النفوس من محبة الاستبداد بالملك وخصوصا مع الترشيح لذلك وحصول دواعيه ومباديه . ( مقد 2 ، 749 ، 5 ) - الدولة في أول أمرها لا بدّ لها من الرفق في ملكتها والاعتدال في إيالتها ، إما من الدين إن كانت الدعوة دينية ، أو من المكارمة والمحاسنة التي تقتضيها البداوة الطبيعية للدول . وإذا كانت الملكة رفيقة محسنة انبسطت آمال الرعايا ، وانتشطوا للعمران وأسبابه فتوفر ، ويكثر التناسل . وإذا كان ذلك كله بالتدريج فإنما يظهر أثره بعد جيل أو جيلين في الأقل . وفي انقضاء الجيلين تشرف الدولة على نهاية عمرها الطبيعي . فيكون حينئذ العمران في غاية الوفور والنماء . . . وإن حدث . . . وقلّت الجبايات فإنما يظهر أثره في تناقص العمران بعد حين ، من أجل التدريج في الأمور الطبيعية . ثم إن المجاعات والموتان تكثر عند ذلك في أواخر الدول . ( مقد 2 ، 771 ، 4 ) - إنّ الحضارة هي أحوال عاديّة زائدة على الضروريّ من أحوال العمران زيادة تتفاوت بتفاوت الرّفه وتفاوت الأمم في القلّة والكثرة تفاوتا غير منحصر . وتقع فيها عند كثرة التفنّن في أنواعها وأصنافها ، فتكون بمنزلة الصنائع . ويحتاج كل صنف منها
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 105 | رفيق العجم