تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
الدولة على حالها من القوّة . ( مقد 2 ، 552 ، 12 ) - السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بهما على أمره . إلا أن الحاجة في أول الدولة إلى السيف ما دام أهلها في تمهيد أمرهم أشدّ من الحاجة إلى القلم ؛ لأن القلم في تلك الحال خادم فقط منفّذ للحكم السلطاني ؛ والسيف شريك في المعونة . وكذلك في آخر الدولة حيث تضعف عصبيتها . . . ويقلّ أهلها بما ينالهم من الهرم الذي قدّمناه ، فتحتاج الدولة إلى الاستظهار بأرباب السيوف وتقوى الحاجة إليهم في حماية الدولة ، والمدافعة عنها ، كما كان الشأن أول الأمر في تمهيدها . فيكون للسيف مزية على القلم في الحالتين ، ويكون أرباب السيف حينئذ أوسع جاها وأكثر نعمة وأسنى إقطاعا . وأما في وسط الدولة فيستغني صاحبها بعض الشيء عن السيف لأنه قد تمهّد أمره ، ولم يبق همّه إلا في تحصيل ثمرات الملك من الجباية والضبط ومباهاة الدول وتنفيذ الأحكام ، والقلم هو المعين له في ذلك ؛ فتعظم الحاجة إلى تصريفه وتكون السيوف مهملة في مضاجع أغمادها ، إلا إذا نابت نائبة أو دعيت إلى سد فرجة وما سوى ذلك فلا حاجة إليها . فيكون أرباب الأقلام في هذه الحاجة أوسع جاها ، وأعلى رتبة ، وأعظم نعمة وثروة ، وأقرب من السلطان مجلسا ، وأكثر إليه تردّدا وفي خلواته نجيّا . ( مقد 2 ، 695 ، 13 ) - الحجاب كيف يقع في الدول وأنّه يعظم عند الهرم : اعلم أنّ الدولة في أوّل أمرها تكون بعيدة عن منازع الملك ، لأنّه لا بدّ لها من العصبيّة التي بها يتمّ أمرها ويحصل استيلاؤها ، والبداوة هي شعار العصبية . والدولة إن كان قيامها بالدين فإنّه بعيد عن منازع الملك ؛ وإن كان قيامها بعز الغلب فقط فالبداوة التي بها يحصل الغلب بعيدة أيضا عن منازع الملك ومذاهبه ، فإذا كانت الدولة في أوّل أمرها بدويّة كان صاحبها على حال الغضاضة والبداوة والقرب من الناس وسهولة الإذن . فإذا رسخ عزّه وصار إلى الانفراد بالمجد ، واحتاج إلى الانفراد بنفسه عن الناس للحديث مع أوليائه في خواص شؤونه ، لما يكثر حينئذ من بحاشيته ، فيطلب الانفراد عن العامّة ما استطاع ، ويتّخذ الإذن ببابه على من لا يأمنه من أوليائه وأهل دولته ، ويتّخذ حاجبا عن الناس يقيمه ببابه لهذه الوظيفة . ثم إذا استفحل الملك وجاءت مذاهبه ومنازعه استحالت خلق صاحب الدولة إلى خلق الملك ، وهي خلق غريبة مخصوصة ، يحتاج مباشرها إلى مداراتها ومعاملتها بما يجب لها ، وربما جهل تلك الخلق منهم بعض من يباشرهم فوقع فيما لا يرضيهم ، فسخطوه وصاروا إلى حالة الانتقام منه . فانفرد بمعرفة هذه الآداب الخواص من أوليائهم ، وحجبوا غير أولئك الخاصّة عن لقائهم في كل وقت ، حفظا على أنفسهم من معاينة ما يسخطهم ، وعلى الناس من