تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
- إنّ الدعوة الدينيّة تزيد الدولة في أصلها قوّة على قوة العصبيّة التي كانت لها من عددها . والسبب في ذلك كما قدّمناه أنّ الصبغة الدينيّة تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبيّة وتفرد الوجهة إلى الحق . فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء ، لأنّ الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم ، وهم مستميتون عليه ؛ وأهل الدولة التي هم طالبوها وإن كانوا أضعافهم فأغراضهم متباينة بالباطل ، وتخاذلهم لتقيّة الموت حاصل ؛ فلا يقاومونهم وإن كانوا أكثر منهم ، بل يغلبون عليهم ويعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف والذلّ كما قدّمناه . وهذا كما وقع للعرب صدر الإسلام في الفتوحات . فكانت جيوش المسلمين بالقادسيّة واليرموك بضعا وثلاثين ألفا في كل معسكر ؛ وجموع فارس مائة وعشرين ألفا بالقادسيّة ، وجموع هرقل على ما قاله الواقديّ أربعمائة ألف ؛ فلم يقف للعرب أحد من الجانبين ، وهزموهم وغلبوهم على ما بأيديهم . ( مقد 2 ، 527 ، 1 ) - إذا حالت صبغة الدين وفسدت ، كيف ينتقض الأمر ويصير الغلب على نسبة العصبيّة وحدها دون زيادة الدين ؛ فيغلب الدولة من كان تحت يدها من العصائب المكافئة لها أو الزائدة القوّة عليها الذين غلبتهم بمضاعفة الدين لقوتها ولو كانوا أكثر عصبيّة منها وأشدّ بداوة . واعتبر هذا في الموحدين مع زناتة ؛ لمّا كانت زناتة أبدى من المصامدة وأشدّ توحشا ، وكان للمصامدة الدعوة الدينيّة باتباع المهدي ، فلبسوا صبغتها وتضاعفت قوّة عصبيتهم بها ، فغلبوا على زناتة أولا واستتبعوهم ، وإن كانوا من حيث العصبيّة والبداوة أشدّ منهم ؛ فلمّا خلوا عن تلك الصبغة الدينيّة انتقضت عليهم زناتة من كل جانب وغلبوهم على الأمر وانتزعوه منهم . ( مقد 2 ، 528 ، 4 ) - إنّ كل دولة لها حصّة من الممالك والأوطان لا تزيد عليها ، والسبب في ذلك أنّ عصابة الدولة وقومها القائمين بها الممهدين لها لا بدّ من توزيعهم حصصا على الممالك والثغور التي تصير إليهم ، ويستولون عليها لحمايتها من العدو ، وإمضاء أحكام الدولة فيها من جباية وردع وغير ذلك . فإذا توزعت العصائب كلها على الثغور والممالك فلا بدّ من نفاد عددها ، وقد بلغت للمالك حينئذ إلى حدّ يكون ثغرا للدولة ؛ وتخما لوطنها ؛ ونطاقا لمركز ملكها . فإن تكلّفت الدولة بعد ذلك زيادة على ما بيدها بقي دون حامية وكان موضعا لانتهاز الفرصة من العدوّ والمجاور ؛ ويعود وبال ذلك على الدولة ، بما يكون فيه من التجاسر وخرق سياج الهيبة . وما كانت العصابة موفورة ولم ينفد عددها في توزيع الحصص على الثغور والنواحي ، بقي في الدولة قوّة على تناول ما وراء الغاية ، حتى ينفسح نطاقها إلى غايته . والعلّة الطبيعيّة في ذلك هي قوّة العصبيّة من سائر القوى الطبيعيّة ، وكل قوة يصدر عنها فعل من الأفعال فشأنها ذلك
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 102 | رفيق العجم