تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
كانت الحرب . وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل . وسبب هذا الانتقام في الأكثر : إمّا غيرة ومنافسة ؛ وإمّا عدوان ؛ وإمّا غضب للّه ولدينه ؛ وإمّا غضب للملك وسعي في تمهيده . فالأول أكثر ما يجري بين القبائل المتجاورة والعشائر المتناظرة . والثاني وهو العدوان أكثر ما يكون من الأمم الوحشيّة الساكنين بالقفر كالعرب والترك والتركمان والأكراد وأشباههم ؛ لأنّهم جعلوا أرزاقهم في رماحهم ، ومعاشهم فيما بأيدي غيرهم ، ومن دافعهم عن متاعه آذنوه بالحرب ، ولا بغية لهم فيما وراء ذلك من رتبة ولا ملك ، وإنّما همّهم ونصب أعينهم غلب الناس على ما في أيديهم . والثالث هو المسمّى في الشريعة بالجهاد . والرابع هو حروب الدول مع الخارجين عليها والمانعين لطاعتها . فهذه أربعة أصناف من الحروب : الصنفان الأولان منها حروب بغي وفتنة ؛ والصنفان الأخيران حروب جهاد وعدل . ( مقد 2 ، 715 ، 3 ) - وصفة الحروب الواقعة بين الخليقة منذ أوّل وجودهم على نوعين : نوع بالزحف صفوفا ؛ ونوع بالكرّ والفرّ . أمّا الذي بالزحف فهو قتال العجم كلّهم على تعاقب أجيالهم . وأمّا الّذي بالكرّ والفرّ فهو قتال العرب والبربر من أهل المغرب . ( مقد 2 ، 715 ، 17 )

حرب وظفر

- لا وثوق في الحرب بالظّفر وإن حصلت أسبابه من العدّة والعديد ؛ وإنّما الظّفر فيها والغلب من قبيل البخت والاتّفاق ، وبيان ذلك أنّ أسباب الغلب في الأكثر مجتمعة من أمور ظاهرة وهي الجيوش ووفورها وكمال الأسلحة واستجادتها وكثرة الشجعان وترتيب المصاف ، ومنه صدق القتال وما جرى مجرى ذلك ، ومن أمور خفية وهي إما من خدع البشر وحيلهم في الإرجاف والتشانيع التي يقع بها التخذيل ، وفي التقدّم إلى الأماكن المرتفعة ، ليكون الحرب من أعلى فيتوهّم المنخفض لذلك ، وفي الكمون في الغياض ومطمئن الأرض والتواري بالكدى عن العدو حتى يتداولهم العسكر دفعة وقد تورطوا فيتلفتون إلى النجاة ، وأمثال ذلك . وإما أن تكون تلك الأسباب الخفيّة أمورا سماوية لا قدرة للبشر على اكتسابها تلقى في القلوب ، فيستولي الرّهب عليهم لأجلها فتختل مراكزهم فتقع الهزيمة . وأكثر ما تقع الهزائم عن هذه الأسباب الخفية لكثرة ما يعتمل لكل واحد من الفريقين فيها حرصا على الغلب ، فلا بدّ من وقوع التأثير في ذلك لأحدهما ضرورة . ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « الحرب خدعة » . ومن أمثال العرب : « ربّ حيلة أنفع من قبيلة » . فقد تبيّن أنّ وقوع الغلب في الحروب غالبا عن أسباب خفية غير ظاهرة ، ووقوع الأشياء عن الأسباب الخفيّة هو معنى البخت كما تقرّر في موضعه . ( مقد 2 ، 726 ، 13 )
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 79 | رفيق العجم