العمران وكثرة الرّفه في أهلها . وذلك كله إنما يجيء من قبل الدولة . لأنّ الدولة تجمع أموال الرعيّة وتنفقها في بطانتها ورجالها ، وتتّسع أحوالهم بالجاه أكثر من اتّساعها بالمال فيكون دخل تلك الأموال من الرعايا وخروجها في أهل الدولة ثم فيمن تعلّق بهم من أهل المصر ، وهم الأكثر . فتعظم لذلك ثروتهم ، ويكثر غناهم ، وتتزيّد عوائد الترف ومذاهبه ، وتستحكم لديهم الصنائع في سائر فنونه . .
وهذه هي الحضارة . ( مقد 2 ، 883 ، 17 )
- الملك والدولة غاية للعصبية ، وأن الحضارة غاية للبداوة ، وأن العمران كله من بداوة وحضارة وملك وسوقة له عمر محسوس ، كما أن للشخص الواحد من أشخاص المكوّنات عمرا محسوسا . وتبيّن في المعقول والمنقول أن الأربعين للإنسان غاية في تزايد قواه ونموّها ، وأنه إذا بلغ سن الأربعين وقفت الطبيعة عن أثر النشوء والنموّ برهة ، ثم تأخذ بعد ذلك في الانحطاط . فلتعلم أن الحضارة في العمران أيضا كذلك . لأنه غاية لا مزيد وراءها . وذلك أن الترف والنعمة إذا حصلا لأهل العمران دعاهم بطبعه إلى مذاهب الحضارة والتخلّق بعوائدها .
والحضارة كما علمت هي التفنّن في الترف واستجادة أحواله . والكلف بالصنائع التي تؤنّق من أصنافه وسائر فنونه من الصنائع المهيّئة للمطابخ أو الملابس أو المباني أو الفرش أو الآنية ولسائر أحوال المنزل .
وللتأنّق في كل واحد من هذه صنائع كثيرة لا يحتاج إليها عند البداوة وعدم التأنّق فيها . وإذا بلغ التأنّق في هذه الأحوال المنزلية الغاية تبعه طاعة الشهوات ، فتتلوّن النفس من تلك العوائد بألوان كثيرة لا يستقيم حالها معها في دينها ولا دنياها :
أما دينها فلاستحكام صبغة العوائد التي يعسر نزعها ؛ وأما دنياها فلكثرة الحاجات والمئونات التي تطالب بها العوائد ويعجز الكسب عن الوفاء بها . ( مقد 2 ، 888 ، 3 ) - الحضارة هي سن الوقوف لعمر العالم في العمران والدولة . ( مقد 2 ، 893 ، 1 )
حضارة وأخلاق
- الأخلاق الحاصلة من الحضارة والترف هي عين الفساد . لأن الإنسان إنما هو إنسان باقتداره على جلب منافعه ودفع مضاره واستقامة خلقه للسعي في ذلك .
والحضري لا يقدر على مباشرته حاجاته ، إما عجزا لما حصل له من الدعة ، أو ترفعا لما حصل له من المربى في النعيم والترف ، وكلا الأمرين ذميم . وكذلك لا يقدر على دفع المضار بما فقد من خلق البأس بالترف والمربى في قهر التأدّب والتعليم ؛ فهو لذلك عيال على الحامية التي تدافع عنه . ثم هو فاسد أيضا في دينه غالبا بما أفسدت منه العوائد وطاعتها وما تلوّثت به النفس في ملكاتها . . . ، إلا في الأقل النادر . وإذا فسد الإنسان في قدرته ثم في أخلاقه ودينه فقد فسدت إنسانيته وصار مسخا على الحقيقة . وبهذا الاعتبار كان الذين يربّون في جند السلطان على