هذا الوجه لا يحصل في المتقدّم إنّما لم يؤثّر لتقدّمه ، لا لكونه غير مصاحب ، فظاهر البطلان ، لأنّ التقدّم بمجرّده لا يصحّ أن يجعل مانعا من التأثير ، بل الأقرب أن يجعل التأخّر مانعا منه ، لأنّ علمنا في كثير من المؤثرات التقدّم ، وأنّها باعتبار تقدّمها تؤثّر ولا تؤثّر « 1 » بالمقارنة فقط ، والمصاحبة كالقدرة التي يراعى فيها التقدّم لا غير ، والعلم الذي يراعى في تأثيره في الأحكام التقدّم ، وإن روعي فيه مع التقدّم المصاحبة والمقارنة والاعتماد في توليده ما يولّده ، فانّه يكون مقدّما على ما يتولّد عنه ، وكالنظير في توليده العلم وما علمنا قطّ أمرا متأخّرا أثّر في حكم متقدّم ، فالأمر بالعكس ممّا قاله السائل .
وأمّا الوجه الآخر في الفرق ، وهو أنّه إذا لم يواف بالإيمان صار كافرا فيندم على ما سبق من إيمانه ، والندم يبطل إيمانه السابق ، فهو خروج عن قول أصحاب الموافاة ، لأنّ أصحاب الموافاة انّما يعتبرون الموافاة من حيث إنّ استحقاق الثواب ودوامه لا يثبت أصلا ولا يتحقّق قطّ بدونها عندهم لا من الوجه الذي ذكره هذا القائل ، لأنّ ما تضمّنه قوله يقتضي أنّه استحقّ الثواب بالسابق من الإيمان ، فبطل بالندم عليه . وهذا بخلاف ما يقوله أصحاب الموافاة ، على أنّا قد أبطلنا كون الندم على الفعل مزيلا للمستحقّ عليه من قبل .
فبطل قول هذا القائل من جميع الوجوه .
وممّا يدلّ على بطلان قول أصحاب الموافاة أنّ الثواب إنّما يستحقّ به المدح باعتبار حصول المشقّة فيه ، أو في سببه ، أو ما يتّصل به . ومن البيّن أنّ من فعل ما يستحقّ به المدح من واجب ، كرد وديعة أو قضاء دين أو مندوب إليه ، كتفضل وإحسان إلى الغير ، فانّه في الحالين يستحقّ المدح ولا يتوقّف استحقاق المدح على ما يكون منه بعد ذلك ، ولا على أمر منتظر بالاتفاق .
هامش
( 1 ) « ولا تؤثّر » ليس في ( ج ) .