دوام عقابه ؟ .
قلنا : قال أصحابنا : إنّما فصّلنا بينهما بالإجماع ، لأنّ دوام العقاب لا نعلمه عقلا وإنّما نعلم سمعا ، والإجماع إنّما انعقد على دوام عقاب ما يوافي به من الكفر فقطعنا على دوام عقابه ، وما لا يوافي به من الكفر فلا إجماع على دوام عقابه ولا على انقطاعه ، بل قد دلّ دليل على انقطاعه ، وذلك الدليل هو أنّه لو كان عقابه دائما لاجتمع للمكلّف استحقاق الثواب والعقاب على سبيل الدوام ، والإجماع يمنع من ذلك على ما بيّناه ، والوجه الآخر الذي ذكرناه من قبل يبطله أيضا ، وهو أن يتلو العقاب الثواب .
وأنا أقول : إنّما كان يلزم اجتماع استحقاق الثواب والعقاب على سبيل الدوام ، وأن يتلو العقاب الثواب أن لو ثبت ، واستقرّ « 1 » استحقاق عقاب على الكفر الذي لا يوافي به . فأمّا ومن المعلوم بالإجماع أنّ الكافر إذا آمن سقط عقاب كفره على أيّ وجه كان ، فانّه لا يلزم شيء من ذلك ، فالواجب التوقّف والشكّ في دوام عقاب ما لا يوافي به من الكفر ، وأن لا يقطع على انقطاعه كما لا نقطع على دوامه .
فإن قيل : ما الفرق بينكم إذا ادّعيتم أنّ الإيمان لا بدّ أن يوافي به ، وبين من يدّعي تقديرا مثل ذلك من الكفر ؟ .
قلنا : الدليل فرّق بيننا ، لأنّ الذي لأجله أوجبنا الموافاة بالإيمان لم يحصل في الكفر ، ولو أجمعت الأمّة على أنّ كلّ كافر يستحقّ بكفره العقاب دائما وأنّ عقابه لا يسقط ، كما أجمعت على أنّ كلّ مؤمن حقيقة يستحقّ الثواب الدائم على ما بيّناه ، وعلمنا بدليل آخر على ما بيناه أيضا أنّ ثوابه لا يسقط « 2 » لسوّينا
هامش
( 1 ) م : استقرار .
( 2 ) عبارة « كما أجمعت . . . إلى قوله : لا يسقط » سقط في نسخة ( ج ) .