قلنا : قد دلّ السمع على أنّه « 1 » تعالى يسقط عقاب الكافر عندما يؤمن وإن كان سقوط عقابه عندنا تفضّلا منه تعالى ، فلا يثبت له مع إيمانه واستحقاقه الثواب به شيء آخر من استحقاق العقاب والذمّ ومثل هذا لا يمكن فيمن يقدّر كافرا بعد إيمانه ، فبان الفصل بين الإيمان بعد الكفر وبين الكفر بعد الإيمان .
فإن قيل : كيف يصحّ ما ذكرتموه وقد نرى كثيرا ممّن كان مؤمنا يكفر وربما بقي على الكفر إلى أن يموت ؟ وهل هذا إلّا دفع العيان والقرآن أيضا ؟ إذ في القرآن قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا »
« 2 » .
قلنا : أمّا القول بأنّ هذا دفع للعيان فظاهر البطلان ، من حيث إنّ الإيمان والكفر ليسا ممّا يدرك بالمشاهدة والعيان ، فمن نعلم منه الكفر بعد إظهاره الإيمان ، فوقوع الكفر منه يدلّنا على أنّه كان منافقا ، وأنّ ما أظهره من الإيمان لم يكن له حقيقة في باطنه وعند اللّه تعالى ، وغير بعيد إظهار الإيمان ممّن لا يبطنه .
فأمّا قولهم : إنّ ما ذكرناه وذهبنا إليه دفع للقرآن في قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا »
، فالجواب عنه أنّه تعالى إنّما عنى بذلك من أظهر الإيمان ، لا من كان مؤمنا في التحقيق عند اللّه تعالى وسمّاهم مؤمنين ، وقال فيهم :
« آمَنُوا »
، كما قال تعالى :
« فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ »
« 3 » ، وكما قال تعالى :
« فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ »
« 4 » ، ومن المعلوم الذي لا شبهة فيه أنّه لم يعن بما قاله في الآيتين الإيمان الحقيقيّ ، إذ الإيمان الحقيقيّ غير معتبر في ذلك .
فإن قيل : كيف تستدلون بالإجماع على أنّه يستحقّ بالإيمان الثواب الدائم ، وفي الناس من يقول بأنّه لا يستحقّ على اللّه تعالى شيء أصلا والبتة ، وأنّ الثواب تفضّل ، وفيهم من يجعل الموافاة بالإيمان شرطا في استحقاق الثواب به ،
هامش
( 1 ) م : أنّ اللّه .
( 2 ) النساء : 137 .
( 3 ) الممتحنة : 10 .
( 4 ) النساء : 92 .