مثال ما ذكرناه أنّ أحدنا لو ضمن لغيره على فعل يفعله على بعض الوجوه اجرة وعوضا ، لكان متى فعله ذلك الغير على خلاف الوجه الذي حدّه له لا يستحقّ عليه أجرا ولا عوضا ، وجاز أن يقول له ذلك الذي ما ضمن وغيره :
قد أبطلت عملك وأحبطته وحرمته نفسك الذي كنت تستحقّه على هذا الفعل لو أوقعته على الوجه الذي أردته منك .
هذا تأويل سائر الآي المتضمّنة لذكر الإبطال والإحباط ، لأنّ المتصدّق لو قصد بصدقه طاعة اللّه دون الامتنان ، لاستحقّ بها الثواب ، فإذا تصدّق للامتنان لم يستحقّ ثوابا ، بها ، فوصفت صدقته بالبطلان من حيث خرجت عن استحقاق الثواب بها وضاع تكلّفه لها ، لا أنّه استحقّ ثوابا « 1 » بالصدقة أبطله المنّ .
وكذلك من رفع صوته فوق صوت النبيّ موهما بذلك علوّ درجته لو رفع صوته لإجابته أو لمسألته على سبيل الاستفادة منه لاستحقّ به جزيل الثواب .
فلمّا رجع رفع الصوت على الوجه الأوّل كان محبطا لفعله .
وكذلك من اشرك وعبد إلهين ، لو وجّه عبادته إلى الواحد القديم وأفرده بها لاستحقّ الثواب . فلمّا وجّهها إلى اثنين بطلت من حيث حرم الثواب عليها .
وهذا هو تأويل الآية الأخرى .
فأمّا قوله :
« إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ »
فانّ فيه أيضا تعليق الإذهاب بالعمل الذي هو الحسنة ، وليس هذا مذهب القوم على ما تقدم ، ثمّ والسيّئة الواقعة التي وقعت وانعدمت كيف يمكن إذهابه ؟ فلا بدّ لهم من العدول عن الظاهر وتقدير محذوف في الكلام .
فأمّا على مذهبنا فلا يحتاج إلى تقدير محذوف ، لأنّ معنى قوله تعالى :
« إِنَّ
هامش
( 1 ) عبارة « بها فوصفت . . . إلى قوله : ثوابا » ليست في ( ج ) .