تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
والقول في أهل النار يجري على هذا النحو من أنّ ما ذكرتموه لا يقتضي فيهم شيئا من الراحة والمنفعة ، فلا وجه لتكرار القول فيهم . قلنا : ما فرقتم بين الأمرين إلّا بدعوى لا يعجز عن مثلها أحد ، والشاهد المعقول بخلاف ذلك ، لأنّكم ادّعيتم أنّ من وصل إلى كلّ ما يحتاج إليه لا يجوز أنّ تطلب نفسه منزلة من هو أعلى منه ، والمعلوم خلاف هذا ، لأنّا نجد جماعة ممّن هم في كفاية ووصول إلى ما يحتاجون إليه ، بل إلى أكثر من قدر حاجتهم يطلبون المنازل العالية ، ويحسدون أو يغبطون من كان أرفع منهم درجة وأكثر نفعا ، حتّى أنّهم يغتمّون بذلك أكثر الغمّ ، وربما تألّموا غاية الألم وقد نرى الشيخ الذي تناقصت شهوته وإن وصل إلى جميع ما يحتاج إليه على حسب شهواته يتمنّى ويودّ أنّه كان كالشبّان في زيادة الشهوة والقوّة ، وكذا نرى ضعيف الشهوة في الطعام أو الشراب أو الباه وإن كان وأصلا إلى ما يحتاج إليه تطلب نفسه زيادة شهواته حتّى أنّه يتحمّل في عود شهواته المشاقّ بتناول الأدوية البشعة . فمن زعم أنّه بخلاف هذا فهو دافع للعادة المعلومة ، ومن انحبط ثوابه وفاته كثير من منافعه يجري القول فيه هذا المجرى ، ولذلك تسمّى أوقاتهم أوقات الحسرة ويؤمهم يوم الحسرة ، لأنّه وإن وصل إلى ما يحتاج إليه فهو يعلم أنّ الذي فاته من الثواب لو كان باقيا له لكان انتفاعه أكثر . فأمّا ما ذكروه في علم المثاب بحصول أعزّته في النار فظاهر البطلان ، لأنّه إذا جاز أن يجعل تعالى المثاب بحيث لا يغتمّ بوصول الآلام والمضارّ إلى أعزّ الناس عليه ومن كان يختار تحمّل المضارّ عنه ويصير بحيث يسرّ بآلامه ومضارّه وإن كان التألمّ والاغتمام بذلك هو المعتاد من طباع البشر ، فليجوّز أيضا أن يجعله بحيث لا يهتمّ بانقطاع نعيمه « 1 » ولا يعتدّ بتقضّيه وإن كان مثل ذلك غير معتاد .
هامش
( 1 ) ج : نعيم .
المنقذ من التقليد — صفحة 57 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي