تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
وكيف يمكن إنكار ما ذكرناه واستبعاده ، مع أنّا نرى كثيرا من أهل الدنيا العاكفين على لذّاتها لا يخطر ببالهم الموت وانقطاع اللذات الدنياويّة جملة ، ولهذا نجد هؤلاء أرغد عيشا من غيرهم ، حتى أنّ فيهم من لا يعرف الغمّ مع كمال عقله ، وفيهم من يفكّر في الموت وانقطاع لذّاته به فكرا دائما فهو كثير الهموم متكدّر العيش ، وفيهم من يكون ذاكرا لانقطاع ما هو فيه من اللذّات وزواله ويخطر ذلك بباله كثيرا ، ومع ذلك فانّه لا يهتمّ ولا يؤثّر ذلك في شيء من تنعّمه وتلذّذه ؟ . فعلى هذا لو قلنا : إنّ أهل الثواب وإن علموا انقطاع ثوابهم فلا تنغيص « 1 » لهم في ذلك ولا شوب يعتدّ به ، لأنّ ما هم فيه من ضروب الملاذّ وصنوف المنافع المستغرقة لأحوالهم أخرجهم من الاعتداد بذلك القدر من الشوب ، وأنّ أهل النار وإن علموا انقطاع عقابهم ، فلا روح لهم في ذلك معتدّ به ، لأنّ ما هم فيه من صنوف الآلام وضروب المكاره المستغرقة لأبدانهم وقواهم أخرجهم عن الاعتداد بذلك القدر اليسير وجرى ذلك مجرى قولهم : « إنّ حصول العلم الضروريّ باللّه في الآخرة وسقوط كلفة النظر في اكتساب المعارف إنّما يكون راحة معتدّا بها لأهل الجنّة دون أهل النار ، من حيث كان أهل النار من الآلام والمضارّ فيما لا يعتدّون معه بزوال هذا القدر من المشقّة ، وأهل الجنّة بخلاف ذلك » لكان ذلك غير بعيد . ثمّ نقول لهم : لا بدّ لكم من القول بمثل ما قلناه في هذا الموضع إذا سألتم عن علم أهل الجنّة بزيادة درجات بعضهم على بعض ، وبما فاتهم من الثواب والمنافع التي أحبطها عقاب معاصيهم ، وعن علم كثير منهم بحصول أعزتهم من الأولاد والآباء والامّهات والأقارب والأزواج الذين يتألّمون بما يلحقهم من الضرر
هامش
( 1 ) ج : تنغّص .
المنقذ من التقليد — صفحة 55 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي