ويجرون عندهم مجرى نفوسهم أو قريب منها العقاب الدائم ، والزمتم أن يتنغص عيشهم بذلك ، لأنّ جميع ذلك يوجب التنغيص الشديد والتكدير العظيم .
وكذلك إذا الزمتم مثل هذا في أهل النار وأوجب عليكم أن يكونوا في بعض الراحة إذ عاينوا دركة من هو أسفل دركة منهم وعقاب من هو أشدّ عقابا منهم ، أو تذكروا ما صار باطلا مكفّرا بما فعلوه من الطاعات ، أو علموا حصول أعزّتهم من الأولاد والأزواج والأقارب في الجنّة ، أو حصول أعدائهم الذين كانوا يسرّون بوقوع المكروه بهم في العذاب الأليم ، لأنّ جميع ذلك يوجب الراحة . ولا يمكنكم التفصي من جميع ذلك بل تقولوا « 1 » النفع والسرور فيما ذكرناه من علم أهل النار بانقطاع عقابهم إلى ثواب أكثر منهما فيما ذكرتموه ، والضرر والغمّ فيما ذكرناه من علم أهل الجنّة بانقطاع ثوابهم إلى عقاب أكثر منهما فيما ذكرتموه ، لأنّ الثواب كما يجب خلوصه من كثير الشوب كذلك يجب خلوصه من قليله ، والعقاب كمثل .
فإن قالوا : لا يحتاج إلى مثل ما ذكرتموه في الجواب عن هذه الإلزامات ، وذلك لأنّه لا تأثير لشيء ممّا عددتموه من حيث أنّ المثاب إذا كان قد وصل إلى جميع ما يحتاج إليه من الملاذّ ولم يفته شيء منه لم يلتفت إلى من هو أعلى منزلة منه ولا يتنغص عليه ما هو فيه من أجل ذلك . وكذا القول فيما فاته من الثواب بالإحباط ، لأنّه قد وصل من النفع إلى ما يحتاج إليه ، فلا تأثير لما فاته في نفسه وحصول أعزّته في النار فانّه لا يغتم به ، بل ربما ازداد سرورا به ، لأنّ اللّه تعالى يغلّظ قلبه على مستحقّي العقاب ويجعله بحيث يسرّه ما يصل إليهم من المكاره والآلام كما يسرّ أحدنا بوصول الضرر إلى عدّوه ، وكيف ينغّص عليه مثل ذلك وهو يعلم أنّ الحكمة تقتضيه كما اقتضت فعل الثواب بمستحقّيه .
هامش
( 1 ) ج : بأن يقولوا .