فأمّا قولهم : « إنّ ذلك يؤدّي إلى كون كلّ واحد منهما مشوبا غير خالص » ، فالجواب عنه أن نقول :
قد ذكرنا أنّ كونهما خالصين غير مشوبين ممّا لا يعلم عقلا ، غير أنّ ذلك وإن لم يعلم عقلا فانّه معلوم سمعا ، فنقول : إذا سلّمنا أنّ علم المعاقب أو تجويزه انقطاع عقابه إلى ثواب مخفّف عنه ويلحقه راحة ، وأنّ علم المثاب أو تجويزه انقطاع ثوابه إلى عقاب ينغص « 1 » عليه كما قالوه واقترحوه ، وما « 2 » المانع من أن يصرف اللّه تعالى المثابين والمعاقبين عن الفكر في انقطاع ما هم فيه ويشغلهم عنه حتّى يخلص كلّ واحد منهما لأجله « 3 » .
فإن قالوا : لا بدّ من أن يكون المثابون والمعاقبون كاملي العقول ، عالمين بالثواب وكيفيّة وصوله إليهم ، وكونهم بهذه الصفة يقتضي فكرهم في دوامه وانقطاعه .
قلنا : أمّا كمال العقل فلا بدّ منه في المثابين ، إلّا أنّه لا يقتضي الفكر فيما ذكرتموه وجوبا ، من حيث أنّ كامل العقل لا يتحتّم أن « 4 » يكون مفكّرا في كلّ شيء . وهبوا أنّ دواعيهم تقوى مع كمال عقلهم إلى الفكر فيما ذكرتموه ، لم « 5 » لا يجوز أن يصرفهم اللّه تعالى عن ذلك ويقابل دواعيهم بصوارف من الفكر فيه ، حتّى أنّ المثاب مثلا كلّما همّ بالفكر في انقطاع ثوابه أو دوامه ، فعل اللّه من اللذّات له والعجائب منها ما يستغرق فكره ويصرفه العجب منها والالتذاذ بها والفكر فيها عن الفكر فيما سواها ، ويفعل أيضا بالمعاقب في كلّ حال من الآلام والأهوال والمناظر القطعيّة ما يشغله ويستغرق فكره عن غيره .
هامش
( 1 ) ج : ينقض .
( 2 ) ج : ما
( 3 ) م : لأهله .
( 4 ) م : من أن .
( 5 ) ج : ولم .