بلى ، السمع دالّ من الإجماع وغيره على خلوص الثواب والعقاب من الشوائب ، وأنّ الثواب لا يمتزج بالعقاب ، وكذا العقاب لا يمتزج بالثواب ، وأنّ الثواب لا يتعقّبه عقاب .
فأمّا العقاب فلا دلالة على أنّه لا يتلوه ثواب إلّا في الكفّار ، فانّ الإجماع منعقد على أنّ عقابهم لا يتلوه ثواب .
فأمّا فسّاق أهل الصلاة ، فلا دلالة على أنّ عقابهم لا يتلوه ثواب ، بل قد دلّت الدلالة على نقيضه ، وهو أنّ عقابهم يتلوه ثواب ، لأنّهم إذا استحقّوا باكتساب معارف التوحيد والعدل وغيرهما من الطاعات الثواب ، وقد بطل الإحباط بما دلّلنا عليه ، فلا بدّ من أن يتلو عقابهم ثواب تلك الطاعات فأمّا دوام الثواب والعقاب فغير معلوم عقلا على ما بيّناه ، ولكنّ دوام الثواب معلوم بالإجماع . وكذا دوام عقاب الكفّار .
فأمّا غير الكفّار ممّن اجتمع له استحقاق الثواب والعقاب جميعا فأنّ عقابه غير دائم عندنا لحصول الإجماع على أنّ الثواب في الآخرة لا يتعقّبه عقاب .
فلو كان ما يستحقّه الفاسق من العقاب دائما مع « 1 » استحقاقه الثواب بطاعاته من المعارف وغيرها - وقد بطل « 2 » - لوجب إذا أراد اللّه أن يعاقبه ولم يشأ العفو عنه أن يتلو ثوابه العقاب لا محالة ، لأن فعلهما إذا كانا دائمين لا يمكن إلّا بأن يفعل الثواب تارة والعقاب أخرى .
فعلى هذا إذا راعينا السمع واعتبرنا أدلته فانّما يتلو الثواب العقاب ولا يتعقّب العقاب الثواب ، وإن لم نراع السمع وأدلّته وتكلّمنا في التجويز العقلي ، فانّه يجوز أن يتلو كلّ واحد منهما الآخر .
هامش
( 1 ) ج : وانّما وقع .
( 2 ) ج : إذ قد بطل الإحباط ، وفي م : إذ قد بطل ( نسخة ) .