الإحسان لا يقابل الاستخفاف المستحقّ على الكفر ، وإنما يمتنع اجتماع المتقابلين من ذلك .
قلنا : وكذلك إنّما يمتنع اجتماع التعظيم والاستخفاف معا إذا تعلّقا بفعل واحد ، فأمّا مع تغاير متعلّقهما فانّه لم يستحلّ اجتماعهما . فإن تعلّلتم في ذلك بشيء تعلّل أبو عليّ فيما خالفكم فيه بمثله .
ومنها : أن قالوا : من حقّ الثواب والعقاب أن يكونا دائمين صافيين من كلّ شوب فلو استحقّا في الحالة الواحدة لم يخل من أن يستحقّ فعلهما على الجمع أو « 1 » البدل . فإن جمع بينهما خرجا عن الصفة اللازمة لهما ، وإن فعلا على البدل فكمثل الأوّل ، لأنّ أيّهما قدّم على الآخر فالمفعول به ينتظر وقوع الآخر ، وذلك يوجب الشوب ونفي الخلوص ، لأنّه إن كان المقدّم هو الثواب والمثاب ينتظر العقاب فيلحقه بذلك غمّ وتنغيص ، وإن كان العقاب هو المقدّم فالمعاقب ينتظر الثواب فيلحقه بذلك سرور وراحة .
وبعد ، فإن كانا دائمين ولم يمكن الجمع بينهما فلا بدّ من أن يتلو الثواب العقاب ، والعقاب الثواب ، والإجماع مانع من أن يتلو العقاب الثواب ، فعلى هذا يمتنع فعلهما على الوجهين جميعا ، وإذا امتنع فعلهما امتنع استحقاقهما .
والكلام عليهم في هذا الوجه أن يقال لهم : أنتم تتمسّكون في تصحيح مذهبكم في التحابط بوجوه عقليّة ووجوه سمعيّة ، وهذا الوجه تعدّونه في الوجوه العقليّة وتوردونه فيها ولا توردونه في الوجوه السمعيّة ، وإذا كان كذلك فما هو مبنى دليلكم هذا غير معلوم عقلا ، إذ العقل لا يدلّ على كون الثواب والعقاب صافيين من كلّ شوب . فمن ادّعى ذلك فعليه الدلالة ولن يجدها . وكذا لا يدلّ على دوامها ، وقد بيّنا ذلك من قبل .
هامش
( 1 ) م :
و