على كلّ وجه وفي جميع الحالات ، بل المسلّم المعلوم أنّ من كان غرضه نفع شخص وسروره لا غير أو كان ممّن يتعدّى نفعه وضرّه إليه ، فانّ ما يدعوه إلى تعظيمه يصرفه عن الاستخفاف به ، إذ في الاستخفاف به - والحال ما وصفناه - نقض لغرضه الذي هو نفعه أو إدخال المضرّة « 1 » على نفسه .
فأمّا من كان غرضه فعل المستحق ، وكان الذي يمدحه ويذمّه ممّن لا يتعدّى إليه نفعه وضرّه ، فانّه لا يمتنع أن يفعل به الأمرين ، وما يدعوه إلى أحدهما لا يصرفه عن الآخر . فمن يزعم ويدّعي أنّ الباب واحد وأنّ الكلّ متساو في ذلك ، فعليه أن يبيّن ، وما الفرق بينه وبين من يدّعي « 2 » ذلك في الألم واللذّة ويقول « 3 » ما يدعو إلى إلذاذ شخص يصرف عن إيلامه . فان « 4 » ارتكبوا ذلك كابروا الضرورات لعلمنا ضرورة بتأتّي نفع أحدنا غيره وضرره وإلذاذه وإيلامه في حالة واحدة . ألا ترى أنّ أحدنا قد يؤلم مريضه بالفصد ويلذّه بسقيه الجلّاب « 5 » بالنبات في حالة واحدة ، وما يدعوه إلى أحدهما لا يصرفه عن الآخر . وإن لم يرتكبوا ذلك طولبوا بالفرق والفصل بينه وبين ما اعتمدوه ، ولن يجدوه .
ثمّ نقول لأبي هاشم خاصّة ولمن يذهب مذهبه : ألستم تقولون إنّ المحسن يستحقّ بإحسانه ضربا من التعظيم بالشكر ، وأنّ هذا التعظيم الذي هو الشكر لا ينحبط ولا يبطل ما يستحقّه من الذمّ والعقاب على أفعاله القبيحة الخارجة من باب الإساءات ، حتّى أجزتم في الكافر المستحقّ للذمّ والعقاب بكفره أن يحسن إلى غيره فيستحقّ منه الشكر والتعظيم ويحسن من ذلك الغير أن يشكره
هامش
( 1 ) م : للمضرّة .
( 2 ) م : يدّعي مثل .
( 3 ) م : ونقول .
( 4 ) م : وإن .
( 5 ) الجلّاب ( فارسية معرّبة ) : ماء الورد .