إن أردتم ما يكون باللسان فمسلّم امتناع ذلك في الحالة الواحدة . ولكنّ امتناعه إنّما هو لشيء يرجع إلى الآلة لا إلى استحالته في نفسه . فلو خلق اللّه لأحدنا لسانين لما امتنع أن يذمّ ويستخفّ شخصا معيّنا بأحد اللسانين ويمدحه ويعظمه باللسان الآخر .
يبيّن ما ذكرناه أنّ مدح زيد وتعظيمه بالاتفاق لا ينافي ذمّ عمرو والاستخفاف به . ومع ذلك فانّه يمتنع الجمع بينهما لما يرجع إلى الآلة ، فعلمنا أنّ امتناع ذلك أيضا إنّما هو لما يعود إلى الآلة .
يزيد ما ذكرناه وضوحا أنّه لا يمتنع أن يمدح شخصا واحدا بلسانه ويكتب بيده ذمّه في حالة واحدة . ولكن إنّما يحسن ذلك إذا كان الفعلان اللذان يمدحه ويذمّه عليهما مختلفين في كون أحدهما طاعة والآخر معصية .
وإن أردتم ما يكون في القلب من ذلك فغير مسلّم امتناعه وأنّ الإنسان يجد من نفسه ذلك الامتناع . بل لو قلنا إنّه في كثير من أحواله يجد من نفسه خلاف ذلك لأصبنا ، وإن كان يكفينا أن يكون ما تذكرونه غير معلوم ولا يجده كلّ عاقل من نفسه .
ثمّ نقول لهم : قد اعتبرتم شروطا ثلاثة في امتناع الجمع بين المدح والذمّ والتعظيم والاستخفاف . وهي أن يكون المادح والذامّ واحدا ، والممدوح والمذموم كذا واحدا ، والوقت واحدا ، فزيدوا فيه شرطا رابعا ، وهو أن يكون الفعل الذي يمدح ويذمّ عليه واحدا ، فلا تخلّوا بذكر الفعل وهو ممّا لا بدّ منه .
إن قيل : إذا ذكرتم كون الفعل واحدا لم تحتاجوا إلى تلك الشروط ، لأنّ من المعلوم عندكم أنّ الذمّ والمدح لا يتعلّقان بفعل واحد ، لا من فاعل واحد ولا من اثنين ، ولا في حالة واحدة ولا في حالين .
قلنا : الحاجة إلى تلك الشروط تثبت وإن ذكرنا كون الفعل واحدا من حيث إنّه لا يمتنع أن يمدحه على فعل معيّن من يعتقده حسنا ويذمّه عليه بعينه
المنقذ من التقليد — صفحة 46
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٤٦