وثالثها : أنّ النبيّ عليه السلام أراد إثبات جميع منازل هارون من موسى لأمير المؤمنين عليه السلام ، ولم يرد الخلافة فحسب ، وسائر تلك المنازل لم تكن ثابتة ليوشع ، ولهذا لم يشبّهه به .
فإن قيل : قوله عليه السلام : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى » يقتضي أن تكون المنازل حاصلة من موسى ومستفادة منه ، وإلّا صارت هذه الإضافة لغوا ضائعا في البين ، وفرض الطاعة لأجل النبوّة غير متعلّق بموسى ولا حاصل « 1 » من جهته ، فلا تجب إضافته إليه .
قلنا : متى حملنا الخبر على أن المراد به الاستخلاف قلنا بموجب ما تضمنه السؤال ، لأنّ الخلافة كانت لهارون من موسى وبه لم تكن مستفادة من النبوّة ، ومتى حملناه على أنّ المراد به فرض الطاعة قلنا لا يقتضي هذا القول أن تكون المنازل مستفادة من موسى عليه السلام بل هو جار مجرى قول من يقول :
زيد منّي بمنزلة أبي أو أخي ، مع علمنا بأن الأبوة والأخوة ليسا به ولا من جهته في أنه يريد ان محل زيد عندي وحاله معي في الإعظام والإجلال كمحل أبي وكحاله معي .
يوضّح ما ذكرناه أنّ الناس يطلقون مثل ذلك في الجمادات وما لا يتصوّر حصول سبب من جهته ، فيقولون : منزلة دار زيد من دار عمرو منزلة دار بكر من دار خالد ، ومنزلة يد الإنسان عنده منزلة رجله ، وأنّما يريدون بجميع ذلك التشبيه والمقاربة .
يبيّن ما ذكرناه استثناء النبوّة من المنازل مع ما قد علمنا أنّها لم تكن ثابتة لهارون من موسى وبسببه ومن جهته ، إذ موسى عليه السلام لم يجعل أخاه هارون عليه السلام نبيّا ، بل كانت نبوّته من جهة اللّه تعالى ، فتحقّق بما
هامش
( 1 ) م : حصل .