وهذا لا يشبه الخبر ، لأنّ فيه مقدّمة مفسّرة غير محتملة موجبة لحمل ما ذكره عليه السلام بعدها من القول المحتمل لمعناها ، ولغيره على معناها على ما بيّناه وإنّما الذي يشبهه أن يقول قائل لجماعة : ألستم تعرفون الشفق الذي هو حمرة تظهر في الأفق الغربيّ بعد غيبوبة الشمس ، فإذا قالوا : بلى ، قال : فصلّوا عند ظهور الشفق ، ثمّ يقول : اللّهمّ اغفر وارحم من يصلّي عند الشفق الذي هو البياض ، ليثبت في الكلام المقدّمة والمؤخّرة . ومعلوم أنّه لا يجوز أن يريد بالشفق الذي أرسله وأطلقه إلّا الذي قررهم على معرفته وأنّه لا يبتدر إلى الخواطر إلّا ذلك ، وأنّه إنّما قال : اللّهم اغفر وارحم من يصلّي عند الشفق الذي هو البياض تنبيها على أنّه إن فاتت فضيلة الصلاة عند الحمرة فينبغي أن يصلّي عند البياض ، وأنّ من يؤخّر الصلاة إلى حين ظهور البياض جدير بأن يستغفر ويرحم له .
فإن أعاد السؤال الذي ذكره قبل هذا ، وهو أنّه إنّما أوجب حمل الشفق الذي ذكر مطلقا على معنى الشفق الذي قرّرهم على معرفته ، من حيث إنّه لو أراد معنى آخر لضاع تقديم تلك المقدّمة من تقريرهم على معرفة ذلك الشفق ، وللغى ذلك التقرير ولم يثبت له فائدة ، وليس كذلك الخبر ، لأنّه وإن عنى عليه السلام بقوله : « فعليّ مولاه » المعنى الذي ذكره في المؤخّرة من الدعاء ، لما ضاع تقديم المقدّمة ، ولثبت في المقدّمة فائدة أعدنا الصورة التي ذكرناها في جواب مثل هذا السؤال من قبل وألحقنا به مؤخّرة لتكون مطابقة لما نتكلم فيه ويتمّ بها مقصودنا في الجواب ، وتلك الصورة هي أن نقول : إذا قال القائل : ألستم تعرفون صديقي زيدا الذي اشتريت منه عبدي مباركا ؟ فإذا قالوا : بلى ، قال :
فاشهدوا اني قد وهبت له عبدي ، ثمّ قال : اللّهمّ ارحم صديقي زيدا وأنقذه من النار ، كما أنقذ عبدي سالما من الغرق والهلاك ومعلوم أنّ أحدا لا يحمل قوله « عبدي » المتوسّط بين تلك المقدّمة وهذه المؤخرة إلّا على العبد الذي قرّرهم على معرفته في المقدّمة دون الذي ذكره في المؤخرة ، وإن كان لو أراد غير
المنقذ من التقليد — صفحة 345
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٣٤٥