دخوله فيها وسيلة إلى التنبيه على حقّه بحسب الإمكان ، وقد روي أنّه عليه السلام عدّد في ذلك اليوم أكثر فضائله .
ومنها : أنّ السبب في دخوله فيها كان التقيّة ، لأنّه دعي إليها فأشفق من الامتناع ، فينسب امتناعه إلى المكاشفة على واضعها ، واعتقاده أنّه صاحب الأمر ، دون من قرن إليه ، فحثّه على الدخول فيها ما حثّه في الابتداء على إظهاره الرضا والتسليم .
ومنها : أنّه عليه السلام جوّز أن يتّفق اختيارهم له فيتوصّل إلى حقّه الذي جعله اللّه له ، لأنّ لصاحب الحق التوصّل إلى حقّه بأيّ طريق أمكنه .
فإن قيل : إن لم يكن القوم محقّين فيما فعلوه ، ولم يكن هو عليه السلام موافقا له في ذلك ولا راضيا به ، فلما ذا كان يفتيهم فيما يستفتونه ويسألونه ؟
ولم أقرّ أحكامهم على ما حكموا به ولم ينقضها ، ولم يرد فدك على أربابها ومستحقيها عند انتهاء الأمر إليه وحصوله في جانبه ؟ .
قلنا : أمّا فتياه عليه السلام فممّا يلزمه ، لأنّ من الواجب عليه إظهار الحقّ والفتوى إن لم يخف ضررا ولا فسادا فيه ، ولا سؤال فيما أظهره من الحقّ ، انّما السؤال فيما أبطنه وترك إظهاره ، وأمّا إقراره عليه السلام أحكام القوم لمّا صار الأمر إليه ، فانّما فعله لاستمرار التقيّة والخوف من الفساد في الدين ، لأنّ الذين بايعوه أكثرهم كانوا معتقدين لإمامة المتقدّمين ، وان إمامته أيضا ثبتت بالاختيار كإمامتهم ، ومن هذه صورته لا يمكنه الخلاف على القوم ونقض ما أبرموه وحكموا به .
فإن قيل : أليس خالفهم في مسائل عدّة ؟ فلم لم يخالفهم في الجميع إن كانوا غير محقّين في جميعها وفي كلّ شيء منها ؟ .
قلنا : إنّما خالفهم فيما خالفهم فيه لعلمه بأنّ الخلاف فيه لا يوحش ولا يؤدّي إلى تظليم القوم وتفسيقهم ، وذلك ممّا يعلم بشاهد الحال ، ولذلك قال
المنقذ من التقليد — صفحة 324
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٣٢٤