تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
صحيحا فرضا وتقديرا لواجب أن يظهر تواطؤهم على ما تواطئوا عليه في أقرب زمان وأسرع مدّة ، لأنّ ما يجري مجرى ذلك من الأمور التي يتواطأ الناس عليها ، فانّه لا بدّ من أن يظهر ولا يخفى ، وقد أنشدنا في الكلام في النبوة عند كلامنا في معجزات النبيّ التي هي ما عدا القرآن ما قاله القائل :
وسرّك ما كان بين امرئ * وسرّ الثلاثة غير الخفي
وأمّا ما يجري مجرى التواطؤ ممّا يجمع الجموع على شيء واحد كالرغبة في النفع العاجل ، والرهبة من الضرر العاجل أيضا فمنفي عن النصّ ، لأنّ من ادّعى له النصّ لم يكن له سلطان تخاف سطوته فيدعو الخوف منه إلى افتعال النصّ له ، بل الصوارف كانت متوفرة عن نقل فضائله ونشر مناقبه ، والدواعي قويّة إلى كتمانها والإعراض عن نقلها ونشرها ، ولا كان له دنيا ، فيكون الطمع في نيلها داعيا إلى وضع النصّ له ، ولو كان الأمران حاصلين له لما جاز أن يكون ذلك داعيا إلى افتعال خبر بعينه ، إلّا من جهة التواطؤ الذي أبطلناه ، وانّما كان يجوز أن يكون الأمران داعيين إلى وضع فضيلة ما له في الجملة ، فأمّا إلى شيء بعينه على صيغة مخصوصة فغير جائز . وجميع ما ذكرناه في الطبقة التي تلينا يبطل أيضا أن يكون قد اتفقوا في بعض الطبقات التي بيننا وبين النبيّ عليه السلام شيء من ذلك ، لأنّ هؤلاء الناقلين إلينا كما نقلوا الخبر ذكروا أنّهم أخذوه عن أمثالهم في الكثرة واستحالة التواطؤ عليهم ، فلو جاز أن يكونوا كاذبين في أنّهم أخذوا الخبر عن أمثالهم في الكثرة جاز أن يكونوا في نفس الخبر ، وقد بيّنا بطلان ذلك . فإن قيل . كونهم بصفة المتواترين طريقة الاستدلال ، فلا يمتنع دخول شبهة عليهم في ذلك ، فيعتقدوا أنّهم بصفة المتواترين ، وان لم يكونوا كذلك ، فينقلوا أنّهم بصفة المتواترين بحسب اعتقادهم . قلنا : العلم بأنّ الجماعة بلغت في الكثرة حدّا لا يجوز عليهم التواطؤ ، ووقوع
المنقذ من التقليد — صفحة 313 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي