لا يجوز في الكذب مثله ؟ .
قلنا : علم المخبرين بكون ما يقولونه ويخبرون به صدقا يدعوهم إلى قوله والإخبار به ، فيكفيهم ذلك في بعثهم عليه ، وليس كذلك الكذب ، فانّ علمهم بكونه كذبا يصرفهم عن قوله فإذا لم يقع منهم اتّفاقا وتبخيتا فلا بدّ من داع يدعوهم إليه ويجمعهم جامع عليه ، وذلك الجامع لا يخلو من الوجوه التي ذكرناها .
فإن قيل : فأبطلوا هذه الوجوه وبيّنوا أنّه لم يثبت في نقل هذا الخبر شيء منها ليتمّ استدلالكم .
قلنا : أمّا وقوع هذا الخبر من هؤلاء الجماهير اتّفاقا وتبخيتا من غير تواطؤ ، فالعادة مانعة منه . ألا ترى أنّا نعلم استحالة أن يتّفق لشعراء جماعة كثيرين التوارد في قصيدة واحدة ووزن واحد ومعنى واحد وقافية واحدة ورويّ واحد ، وكذا يستحيل على جمع عظيم كأهل الرأي أن يتكلّموا بكلام واحد متّفق اللفظ والمعنى اتّفاقا وتبخيتا . ونظير هذا استحالة اجتماعهم على تناول طعام واحد ، والتزييّ بزيّ واحد تبخيتا من غير جامع يجمعهم على ذلك ، وإذا كانت استحالة هذه الأمور ظاهرة من حيث العادة كان اجتماع الشيعة مع كثرتها على نقل النصّ الذي وصفناه اتّفاقا وتبخيتا من غير تواطؤ وجامع في الاستحالة من حيث العادة كهذه الأمور .
وأمّا وقوعه تواطئوا باجتماع بعضهم إلى بعض أو بالمكاتبة والمراسلة ، فظاهر البطلان أيضا لكثرتهم وتباعد ديارهم ، إذ من المستحيل أن يكاتب الشيعة في البلاد المتباعدة بعضهم إلى بعض ويتفقوا على شيء بعينه ، وكيف يصح ذلك ؟ مع أنّهم في كلّ قطر من الأرض جمعا عظيما ، لا يعرفون من في الأقطار إلّا الآحاد منهم ، فأمّا الباقون فلا يعرفونهم ، والجماعات الذين هذا حالهم يستحيل فيهم الاجتماع في موضع والمكاتبة والمراسلة أيضا ، ثمّ ولو كان ذلك
المنقذ من التقليد — صفحة 312
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٣١٢