علمه من حكم اللّه في الحادثة لا يقدح في حقّه ، وكما أنّ رجوع القاضي بعد شهادة العدول إلى غيره في حكم الدعوى واحتياجه إليه فيه قادح في حقّه ووجه في قبح توليته القضاء ، كذلك احتياج الإمام إلى غيره في تعرّف حكم اللّه تعالى في الحادثة قدح في حقّه ووجه في قبح توليته الإمامة ، على أن بعض أصحابنا قد قال : إنّه يعلم جميع ذلك بالنصّ من قبل اللّه تعالى ويروون في ذلك أخبارا ، غير أن هذا ممّا لا نلتزمه وجوبا وإن كان جائزا .
يؤيّد ما ذكرنا ويوضّحه أنّ مخالفنا وإن لم يوجب كونه عالما بجميع الأحكام ، فانّه يذهب إلى أنّه متى كان عاملا بجميع الأحكام كان أفضل ويوجب كونه من أهل الاجتهاد فيها ومع ذلك لا يلزمه القول بأنّه يجب أن يكون من أهل الاجتهاد في الصنائع ، وأنّه متى كان عالما بالصنائع ومن أهل الاجتهاد فيها كان أولى فظهر فساد ما ألزموناه ، ولا يلزمنا أيضا علم أمراء الإمام وولاته ونوّابه بجميع أحكام الدين ، لأنّهم ليسوا نوّابه في جميعها وانّما فوّض إلى كلّ واحد منهم بعض الأحكام وجعله نائبا في بعض الأمور ، فكلّ من ولّاه أمرا فانّه لا بدّ من أن يكون عالما به ، هذا هو الذي نذهب إليه ، فلو فرضنا استخلاف الإمام بعض خلفائه على جميع ما إليه ، فحينئذ يجب في ذلك المستخلف أن يكون عالما بجميع أحكام الدين .
فإن قيل : الأمير والقاضي إذا كانا نائبين عن الإمام في أقاصي البلاد وحدثت حادثة تضيق الحال فيها ولا يعرفان حكمها لعدم وقوع نظيرها من قبل ، ما تدبير هما فيها ؟ وما الذي يعملانه ؟ .
فإن قلتم : يرجعان إلى غيرهما بطل ما قلتموه ، وإن قلتم : يرجعان إلى الاجتهاد ، فذلك ممّا تأبونه .
قلنا : هذا المقدّر عندنا غير جائز الوقوع ، لأنّ الإمام لا يولّى في الأطراف إلّا من يثق بعلمه ، ويعلم أنّه لا يقع في إمارته إلّا ما يعلمه .
المنقذ من التقليد — صفحة 293
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٩٣