من الضرر فيه ، فبطل ما قيل في السؤال ، على أنّه يلزم على هذا تجويز أن يكون جميع القبائح في الشاهد انّما قبحت لثبوت الضرر فيها دون وجوهها المعروفة .
وبعد فكان يجب تقدير ألا يستضرّ أحدنا بتأخّر بعض الأمور عنه أن يحسن منه أن يفوّضه ويجعله إلى من لا معرفة له به ، ومعلوم خلافه .
إذا تقرّر هذا بطل قول مخالفينا : إنّه مهما ورد عليه حادث لا يعلم حكمه رجع فيه إلى العلماء والاستفتاء منهم ، لأنّه قد تبيّن بما ذكرناه أنّ فقد العلم هو وجه القبح لا فقد الطريق إلى العلم ، هذا إن سلّمنا أنّ ذلك طريق له إلى العلم ، فكيف وذلك غير مسلّم ؟ إذ الاستفتاء شرّع للعوام دون الإمام ، وأيضا فانّه يلزمهم على ما جوّزوه أن يجوّزوا أن يولّي للإمامة من لا يعرف أصلا شيئا من الأحكام ، ويرجع في جميعها إلى العلماء .
فإن قيل : يلزمكم على ما ذهبتم إليه أن يعلم الإمام سائر الصناعات والحرف وقيم المتلفات وأروش الجنايات ، لأنّه يقع الترافع في جميع ذلك إلى الإمام .
قلنا : إنّما أوجبنا كون الإمام عالما بجميع الأحكام من حيث كان حاكما في جميعها ورئيسا ومتقدّما على الامّة في كلّها ، ولم نوجب كونه عالما بما لا تعلّق له بالأحكام ولا يكون هو متقدّما فيه ، وجميع ما ذكر لا تعلّق له بما أوجبناه ، لأنّ الإمام ليس إماما في الحرف والصنائع ، فمتى وقع خلاف بين أهلها راجع أهل الخبرة فيما يصحّ عنده من قول أهل الخبرة حكم فيه بما هو عالم به من حكم اللّه تعالى الذي علّمه من جهته ولم يحتج فيه إلى مراجعة غيره ، وإن اختلف أهل الخبرة رجع إلى قول أعدلهم ، فإن تساووا كان مخيّرا في جميعه ، ولا يكون رجوعه إلى أهل الخبرة إلا كرجوعه ورجوع القاضي إلى قول الشهود إلى تصحيح الدعوى فكما أنّ رجوع القاضي إلى قول الشهود لا يقدح في حقّه إذا حكم عند شهادتهم بما علمه ، كذلك رجوع الإمام إلى أهل الخبرة ليحكم عند قولهم بما
المنقذ من التقليد — صفحة 292
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٩٢