تدبير ملكه إليه ، فانّه لا يحسن منه أن يختار لذلك إلّا من يثق بمعرفته بأمر الوزارة ، وأنّه لا يخفى عليه دقيقه وجليله ، ويقبح منه أن يستوزر في كلّ مملكته من لا يعرف شيئا منها أو أكثرها وإن كان لا يمكنه تعلّم ذلك ممّن يعلمه ، أو بتجربة واختبار ، ولو استوزر من وصفناه لكان واضعا للشيء في غير موضعه مضيّعا أمر ملكه ولاستحقّ من العقلاء اللوم والتوبيخ بفعله ذلك ، وكذا الواحد منّا لو أراد توكيل غيره في بعض حكوماته ومهمّاته لم يحسن أن يختار لذلك التوكيل إلّا من يقطع على معرفته بما يوكله فيه ، ومتى وكل من لا معرفة له بذلك كلّه أو أكثره كان مهملا لأمره مضيّعه مستحقّا من العقلاء الذمّ واللوم ، والتولية لا تجرى مجرى التكليف ، وليس لأحد أن يقول : أليس اللّه تعالى يكلّف العبد ما لا يعلمه ، بأن يجعل له طريقا إلى تعلّمه فيكلّفه التعلّم ثمّ ترتيب العمل عليه ، فلم لا يجوز مثله في التولية ؟ وذلك لأنّه يحسن من أحدنا أن يكلّف ولده أو عبده تعلّم ما ليس هو عالما به ولا يحسن منه أن يولّيه ما ليس له به علم ، فظهر الفرق بين الأمرين .
فإن قيل : الإمام إمام فيما يعلمه دون ما لا يعلمه .
قلنا : هذا خرق الإجماع ، إذ الإجماع منعقد على أن الإمام إمام في جميع الدين وأحكام الشرع ، باعتبار كونه حاكما في جميعها ، فمهما فرض كونه حاكما في بعضها لم نوجب كونه عالما بجميعها .
فإن قيل : إنّما يقبح من المولّي في الشاهد ملكا كان أو غيره أن يولّي أو يوكل من لا معرفة له بما جعله وفوضه إليه من حيث إنّه إذا فعل ذلك يفوته أغراضه ويستضرّ بذلك ، واللّه تعالى منزه عن جواز الاستضرار بشيء فلا يقبح منه ذلك .
قلنا : لو كان الأمر على ما ذكر في السؤال لوجب أن لا يعلم قبح ذلك إلّا من علم أنّ في ذلك ضررا ، وقد علمنا وكلّ عاقل قبح ذلك وإن غفلنا وذهلنا
المنقذ من التقليد — صفحة 291
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٩١