من الأحكام ، إذ غير ممتنع أن يكون عالما بمضمون الحديث وشاكّا متوقّفا في صدق الراوي وأنّه هل سمع من الرسول ذلك ، فاستحلفه ليعلم صدقه في ادّعائه أنّه سمعه من الرسول عليه السلام أو يغلب في ظنّه ذلك ، ثمّ ومن الجائز انّه كان ذلك في حياة رسول اللّه وأن لا يكون في تلك الحال عالما بجميع الأحكام .
فإن قيل : فأيّ فائدة في الاستحلاف ؟ .
قلنا : فائدته الردع والزجر عن الافتراء والتخرّص على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله من حيث إنّه قد يتوقّى الإنسان الكذب خوفا من الاستحلاف ، ولا يتوقّاه مع ثقته بأنّه لا يستحلف ، فليس لأحد أن يقول : من جاز أن يكذب جاز أن يحلف كاذبا ، لما بيّناه من أنّه قد يتحرّز المرء من بعض القبائح وإن لم يتحرّز من قبيح آخر ، على أن هذا يقتضي أن يكون شرّع استحلاف المنكر عند عدم البيّنة عبثا لا فائدة فيه .
فإن قيل : يلزمكم أن يكون الإمام عالما بالبواطن وصدق الشهود ، ليجري الحكم على مستحقّه .
قلنا : الإمام متعبّد بتنفيذ الأحكام في الظاهر ، ولا حكم له في البواطن ، فلا يلزمنا ما ذكر في السؤال من علمه بالبواطن .
وممّا يدل على أنّ الإمام يجب كونه عالما بجميع أحكام الدين ما دللنا عليه من كونه حافظا للشرع ، فلو جوّزنا أن لا يعلم بعض الأحكام لم نؤمن فيما لم يعلمه أن تتفق الامّة على الإعراض عنه أو كتمانه ، لجواز ذلك عليها ، على ما بيّناه من قبل ، فلا نثق بوصول جميع الشرع إلينا ، وهذا يقدح في كونه حافظا للشرع .
وبعد فأن في تجويز ان لا يكون عالما ببعض الاحكام ما يوجب التنفير عن قبول قوله ، وذلك ممّا ينزّه عنه ، ولا يجب أن يكون أحسن الناس صورة ، وإنّما يجب أن لا يكون ناقص الخلقة مشين الصورة وعلى وجه ينفّر عن قبول قوله ، هذا هو الكلام في صفات الإمام .
المنقذ من التقليد — صفحة 295
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٩٥