ثوابا ، بل بكونه معصوما فلا يلزمنا الدور .
فإن قيل : لو اتّفق فيمن كان أكثر ثوابا أن يكون ناقصا في العلم بالسياسة وفي الأفضل في العلم بالسياسة أن يكون مفضولا في الثواب فأيهما ينصب للإمامة ؟ .
قلنا : ينصب كلّ واحد منهما إماما لمن دونه في الخصلتين جميعا ، ولا يقدّم المفضول على الفاضل ، لأنّه قبيح لثبوت وجه القبح فيه على ما بيّناه ، هذا هو الذي يقضى به من جهة العقل ، لكنّا علمنا من طريق السمع أنّ الإمام لا يكون إلّا واحدا ، فانكشف لنا أنّ هذا المقدّر لا يتّفق قطّ .
فإن قيل : هلّا جاز تقديم المفضول على الفاضل إذا كان في الفاضل مانع يمنع من تقديمه وفي تقديم المفضول مصلحة ؟ .
قلنا : لا يجوز ذلك لأنّا بيّنا أن كونه تقديما للمفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه فيه وجه قبح ، ومع ثبوت وجه القبح يقبح الفعل وإن ثبت فيه عدّة من وجوه الحسن ، ألا ترى الظلميّة لمّا ثبت أنّها وجه قبح لم يجز أن يحسن ظلم ما بسبب أن يكون فيه مصلحة لأحد وبأن يكون فيه نفع عاجل ، ولئن جاز ما ذكره السائل لجاز تقديم الفاسق على الصالح والكافر على المؤمن بأن يكون في الصالح والمؤمن مانع ، فالقوم في هذا الإلزام بين أمرين : إمّا أن يرتكبوا جواز ذلك فيكونوا قد تركوا مذهبهم ، إذ هم لا يجوّزون تقديم الكافر على المؤمن ولا الفاسق على المصالح بوجه من الوجوه ، وإمّا أن لا يرتكبوا ذلك فيكونوا قد أبطلوا قولهم .
فإن قيل : ما تدعونه يبطله فعل النبيّ عليه السلام ، لأنّه عليه السلام قدّم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص على أبي بكر وعمر ، وزيد بن حارثة على جعفر ابن أبي طالب ، وهؤلاء كانوا أفضل ممّن قدّمهم عليهم ، فكيف تحكمون بقبح تقديم المفضول على الفاضل مطلقا ؟ .
المنقذ من التقليد — صفحة 289
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٨٩