قلنا : فالثابت بالإجماع مردود أيضا إلى اللّه تعالى ، فأين فائدة الشرط ؟ .
إن قالوا : إنّ الردّ لا يقال إلّا فيما يقع فيه النزاع ممّا نصّ تعالى عليه مجملا ، فيرجع فيه إليه ليبيّنه ، فأمّا ما بيّنه في الابتداء ولم يقع فيه نزاع وإن كان ثابتا من جهته ، فانّه لا يرد فيه إليه ، ولا يقال ذلك فيه .
قلنا : فقد سوّيتم بين الاشتراط في هذه الآية وبين الاشتراط في قوله تعالى :
« وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً »
وأبطلتم الاستدلال بالآية ، وذلك لأنّ فائدة الاشتراط على ما ذكرتموه هي أنّ الردّ لا يقال ولا يكون إلّا في المتنازع ، فأمّا غير المتنازع فيه وان كان ثابتا بنص صريح مبيّن من جهته تعالى فإنّه لا يقال « 1 » ولا يستعمل فيه الردّ ولا يسمّى مردودا إليه تعالى .
تمسّكوا بما يروى عن النبيّ صلى اللّه عليه وآله أنّه قال : لا تجتمع أمّتي على خطأ « 2 » .
والاعتراض عليهم في ذلك أيضا من وجوه .
منها : أنّا لا نسلّم صحّة هذا الحديث ، لأنّه منقول من طريق الآحاد ولا يقتضي إلّا الظنّ ، ومسألتنا مسألة اصوليّة قطعيّة ، فلا يجوز المصير فيها إلى ما يوجب الظنّ .
فإن قيل : هذا الحديث وإن نقل من طريق الآحاد فهو ممّا تلقته الامّة بالقبول ولم يتوقّف في معناه أحد ، وذلك يدلّ على صحّته .
قلنا : ومن أين أنّ ما يتفق الامّة في قبوله ولم تنازع في صحّته كان حقّا صحيحا ؟ وهل النزاع إلّا فيه ؟ فهذا استسلاف من القوم للإجماع وصحّته .
ولئن صحّ لهم الإجماع وكونه حجّة لما احتاجوا إلى التمسّك بالحديث .
هامش
( 1 ) قوله : « ولا يكون إلّا في المتنازع . . . إلى قوله : فانّه لا يقال » سقط في ( ج ) .
( 2 ) سنن أبي ماجة : ج 2 ص 1303 ولفظه : « انّ أمّتي لا تجتمع على ضلالة » .