قلنا : القول بدليل الخطاب باطل بما هو مذكور في موضعه .
فإن قيل : قوله تعالى :
« وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ »
يتنزّل منزلة أن يقول :
ويتّبع إلّا سبيل المؤمنين ، فانّ « غير » ممّا يستثنى به ك « إلّا » ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون اتّباع سبيلهم بخلاف اتّباع سبيل غيرهم ، فانّ المستثنى لا بدّ من أنّ يخالف المستثنى منه ، فإذا كان اتّباع غير سبيلهم محظورا وجب أن لا يكون اتّباع سبيلهم محظورا بل يكون حسنا ، وفيه حصول المقصود ، إذ لو كان سبيلهم خطأ لما حسن اتّباعه .
قلنا : لا نسلّم أنّ « غير » في الآية بمنزلة « إلّا » ، لأنّ « غير » حقيقة في الصفة وانّ استثني به في بعض المواضع تجوّزا أو توسعا ، كما أنّ « إلّا » وضع للاستثناء به حقيقة وإن وصف به في بعض المواضع تجوّزا .
يبيّن ما ذكرناه أنّه يحسن أن يقول القائل : لا تأكل غير هذا الطعام ولا هذا الطعام أيضا ولا تخاطب غير زيد ولا زيدا ولا يكون هذا القائل مناقضا في قوله هذا ، ولا يحسن أن يقول : لا تأكل إلّا هذا الطعام ولا هذا الطعام ولا تخاطب إلّا زيدا ولا زيدا « 1 » لأنّ هذا القول مناقضة ظاهرة في القول مستهجنة عند العقلاء العارفين باللغة . فإذا ظهر الفرق بين القولين تحقّق أنّ « غير » حقيقة في الصفة مجاز في الاستثناء ، وإذا كان كذلك لم يجز حمله في الآية على الاستثناء إلّا لضرورة ، ولا ضرورة ، فبطل قول السائل .
فإن قيل : حظر اتّباع غير سبيل المؤمنين يقتضي حسن اتّباع سبيلهم من وجه آخر ، وهو أنّه ليس هاهنا إلّا سبيلان : أحدهما سبيلهم والآخر غير سبيلهم ولا ثالث ، فإذا حظر اتّباع أحدهما وجب حسن اتّباع الآخر ، وإلّا كنّا كلفنا
هامش
( 1 ) قوله « ولا يكون هذا القائل . . . إلى قوله : ولا زيدا » سقط في ( ج ) .