ما لا نطيقه « 1 » من أنّا إذا لم نتّبع غير سبيلهم ، فلا بدّ من أن نتّبع سبيلهم ، ولا يمكن إلّا هكذا ، فلو قبح اتّباع سبيلهم كقبح اتّباع غير سبيلهم وحظره لكنّا غير متمكّنين من التحرّز عن القبيح المحظور ، وذلك غير جائز .
قلنا : ليس الأمر على ما توهّمه السائل ، فانّ التحرّز من الاتّباعين جميعا ممكن ، ونحن متمكّنون من أن لا نتّبع سبيلهم ، ولا سبيل غيرهم وإن لم يكن السبيل إلّا سبيلين ، وذلك لأنّ الاتّباع ليس هو مجرّد أن يفعل المتّبع مثل فعل المتّبع في الصورة والوجه ، بل فيه قيد آخر باعتباره يتحقّق الاتّباع وهو أن لا يفعل المتّبع لأجل فعل المتّبع فيكون مقتديا به « 2 » ، وهذا ممّا يتصوّر انفكاك المكلّف منه حتى لا يفعل شيئا ممّا يفعله لأجل فعل غيره وإن اتّفق فعلاهما في الصورة والوجه ، فبطل ما ذكره السائل .
ومنها : أنّ الآية لو دلّت على تعبّدنا باتّباع سبيل المؤمنين لكانت إنّما تدلّ على تعبّدنا باتّباع سبيل من كان مؤمنا حقيقة ، وعلمنا كذلك لا من ظاهره الإيمان من غير أن يكون باطنه موافقا لظاهره ، لأنّ من كان كذلك لم يكن مؤمنا حقيقة ، بل كان منافقا ، فإذا تعبّدنا باتّباع سبيل المؤمنين وجب أن نعلمهم مؤمنين حتى نتّبع سبيلهم ، ولا شكّ في أنّا لا نعلم إيمان غيرنا ولا نقطع عليه ، إلّا إذا علّمنا اللّه تعالى ذلك ، كما أعلمنا في المعصومين ، فعلى هذا اقتضت الآية اتّباع المعصومين ، وهذا ممّا لا نأباه ، بل نقول به ، وهو عين معتقدنا ومذهبنا .
ولا يعترض كلامنا هذا قوله تعالى :
« فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ »
« 3 » وقوله :
« فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ »
« 4 » وأنّ المراد بالمؤمن في الآيتين المظهر للإيمان لا من يكون
هامش
( 1 ) م : ولكنّا كلّفنا ما كنّا نطيقه .
( 2 ) م : مقيّدا به .
( 3 ) الممتحنة : 10 .
( 4 ) النساء : 92 .