فإن قيل : إذا أمرنا اللّه تعالى باتّباع سبيل المؤمنين وجب أن يكونوا موجودين في كلّ عصر وأن لا يخلو زمان من جمع من المؤمنين ، وإلّا كنا قد كلّفنا ما لا نطيقه .
قلنا : هلّا كان تكليفنا باتّباعهم تكليفا مشروطا بوجودهم ، فمهما وجدوا وعلمنا وجودهم ، وجب علينا اتّباعهم ، وإن لم يوجدوا ولا نعلم وجودهم لا يتوجّه علينا في ذلك تكليف هذا ، كما في قوله تعالى :
« وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما »
« 1 » ، لأنّه لا يقتضي وجود السراق في كلّ وقت ، حتّى يمكن امتثال الآية والأمر فيها ، بل هو أمر مشروط بوجود السرّاق ، إن وجدوا ، يلزم الإمام امتثال الأمر فيهم وإلّا فلا ، كذلك في مسألتنا .
تعلّقوا أيضا بقوله تعالى :
« وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً »
« 2 » .
قالوا : والوسط العدل ، قال اللّه تعالى :
« قالَ أَوْسَطُهُمْ »
« 3 » أي أعدلهم فاللّه تعالى عدّل أمّة الرسول وحكم بعد التهم ، فوجب أن يكونوا معصومين لأنّه لا يجوز أن يعلم منهم خطأ ومعصية ثم يعدّ لهم ، هذا كما أنّ أحدنا إذا عدّل غيره وجب أن لا يطلع منه على معصية ومأثم ، ومهما اطّلع على ذلك فليس له أن يعدّ له ، وإذا كان كذلك فمن يعدّ له تعالى وجب أن لا يطلع منه على خطأ وإذا لم يطلع تعالى منه على خطأ وجب أن لا يكون مخطئا قطعا لأنّه تعالى علّام الغيوب ، بخلاف الواحد منّا فانّه يجوز أن لا يطلع « 4 » على خطأ الغير وإن كان الغير مخطئا في نفسه . وأكدوا ذلك بأن قالوا : إنّ اللّه تعالى جعلهم شهداء على
هامش
( 1 ) المائدة : 38 .
( 2 ) البقرة : 143 .
( 3 ) القلم : 28 .
( 4 ) قوله : « على خطأ وإذا لم يطلع . . . إلى قوله : أن لا يطّلع » سقط في ( ج ) .