كلّفنا ما لا طريق لنا إلى معرفته ، وذلك قبيح .
[ لزوم وجود الحافظ للشرع ] دليل آخر :
وممّا يدلّ أيضا على وجوب نصب إمام معصوم بعد ورود الشرع ما قد ثبت أن شرع محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، لازم لجميع أمّته من لدن عصره إلى انقراض التكليف ، وأنّ حالنا وحال من يجيء بعدنا من أهل الأعصار المستقبلة حال الصدر الأوّل من المسلمين ممّن عاصر النبيّ عليه السلام في التعبّد بشرعة ، وما هذا حاله لا بدّ له من حافظ موثوق به يحفظه بعد الرسول ويبلغه ويؤدّيه إلى الأخلاف وأهل الأعصار المستقبلة الذين يتعبّدون به ، وإلّا لم يثقوا بوصول جميع الشرع إليهم ، ويكونون قد كلّفوا ما لا سبيل لهم إلى معرفته ، وذلك قبيح ، أو لم يكلّفوا جميع الشرع ، وذلك باطل بالاتفاق ، فثبت أنّه لا بدّ من حافظ للشرع .
وإذا ثبت وتقرّر وجوب كون الشرع محفوظا ، لم يخل من أن يكون محفوظا بالكتاب أو السنّة المقطوع بها أو بهما جميعا أو بالإجماع أو بأخبار الآحاد أو بالرأي والقياس أو بمعصوم موثوق به على ما نقوله . ولا يمكن المنازع أن يدّعي كون الشرع محفوظا بشيء آخر سوى ما ذكرناه ، لأنّه خلاف الإجماع أمّا الكتاب فمعلوم أنّ جميع تفاصيل الشرع ليست مبيّنة فيه فكيف يكون محفوظا به ؟ ثمّ الكتاب نفسه لا بدّ له من حافظ أيضا موثوق به يحفظه ويتعيّن عليه حفظه عن التغيير والتبديل ، وإلّا لم يؤمن من تطرّق التحريف والتبديل إليه .
وأمّا السنّة المقطوع بها والإجماع ، فمن المعلوم الظاهر أيضا أنّ جميع الشرع ليس مبيّنا فيهما ، على أنّ المتواترين فيما تواتروا يجوز أن يعدلوا عن النقل والرواية تعمّدا أو سهوا إذا لم يكن من ورائهم من يحفظهم ، فيؤدّي إلى إخفاء ما تحمّلوه أو إلى نقله في الآحاد ، ومن لا يكون في نقله حجّة ، والإجماع متى لم يشمل على قول معصوم أو فعله أو رضاه لم يكن حجّة ، على ما نبيّنه بعد إتمام هذه الطريقة ، وأمّا اخبار الآحاد والرأي والقياس فلم يثبت كونهما حجّة فكيف