لو أكره على قتل نفسه لم يكن له أن يقتل نفسه لأنّه غاية ما يخافه .
فأمّا الإكراه على المقام ببلد ، فانّ له حكم ما لا ينفك منه مع ذلك المقام ، فإن كان لا ينفك مع المقام من فعل أو ترك رخّص له بالإكراه كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير وغيرهما ممّا يحل بالإكراه وكترك الصلاة والصّيام ، فانّه يجوز مع الإكراه المقام ويصير كأنّه اكره على ذلك الفعل أو الترك ، فإن كان لا ينفكّ عن « 1 » المقام ممّا لا يتغير قبحه ولم يرخّص له فيه بالإكراه كقتل النفوس فانّه لا يجوز له المقام بالإكراه كما لا يجوز له قتل النفوس بالإكراه .
فأمّا المقام ببلد يظهر فيه كلمة الكفر ولا يتمكّن المقيم من إنكاره ، فقد قال قوم : إنّه لا يجوز ويحرم المقام فيه على كلّ حال ، ويجب الانتقال منه ، وقال آخرون : إذا لم يخف المقيم من أن يؤاخذ بإظهار كلمة الكفر جاز له المقام ، وإن أظهر غيره ولا يتمكّن من إنكاره ، لأنّه إذا لم يتمكّن من إنكاره فهو معذور في ترك النكير فلا يحرم عليه المقام .
قال الشيخ : ولو جاز أن يحرم عليه المقام مع أنّه معذور في الكفّ عن النكير ، لجاز أن يكون ملوما إذا غلب في ظنّه أنّ في بعض الدور منكرا وإن لم يلزمه فيه تكليف ، والعلّة الجامعة بينهما أنّه معذور في الحالين في ترك النكير « 2 » .
فإن قيل : في ذلك ايهام الرضا بالمنكر « 3 » .
قلنا : ليس في الكفّ عن إنكار المنكر « 4 » دلالة على الرضا على كلّ وجه ، فإذا قام من ذكرناه وبذل الوسع في إظهار الكراهة لذلك المنكر بطل الإيهام ، وقد علمنا أنّ النبيّ عليه السلام أقام بمكّة مدّة والكفر بها ظاهر ولم يحرم ذلك عليه ، لما كان عليه السلام مظهرا للدين في أصحابه وحيث أمكنه ، ولا يلزم على
هامش
( 1 ) م : مع .
( 2 ) التمهيد : ص 309 .
( 3 ) ج : بالنكير .
( 4 ) ج : النكير .