بالإكراه فانّ الإكراه لا يؤثر فيه .
والتحقيق في المسألة : أنّ الإكراه إنّما يقع فيما يتعلّق بالجوارح من الأفعال والتروك التي تظهر للمكره فيتخلّص به المكره ممّا خافه فأمّا ما لا يظهر للمكره من أفعال القلوب فانّه لا يصحّ من الإكراه عليه ، لأنّه لا يطلع على وقوعه حتى يكفّ عمّا خوّفه به ، وانّما المطّلع على أفعال القلوب « 1 » والضمائر هو اللّه تعالى ، فهي والقادر على الإكراه على أفعال القلوب ، وهو عزّ وجلّ لا يكره على القبيح ، فالمناكير والقبائح الراجعة إلى أفعال القلوب خارجة عن هذا الباب .
وأمّا أفعال الجوارح التي يصحّ أن يقع الإكراه عليها ، تنقسم ثلاثة أقسام :
أحدها : ما يتغيّر بالإكراه عن القبيح والتحريم إلى الوجوب .
وثانيها : ما يتغيّر عن القبح إلى الإباحة .
وثالثها : أن لا ينتقل عن القبح والتحريم بالإكراه ، بل يكون مع الإكراه قبيحا محرّما ، كما كان مع عدم الإكراه .
فمثال الأوّل الإكراه على أكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر وغير ذلك من المحرّمات التي يبيحها الاضطرار ، فانّه متى اكره على شيء منها يلزمه فعلها كما يلزمه عند الضرورة وكما يلزمه في دفع المضارّ عن النفس ، وغير ممتنع أن لا يبلغ الإكراه حدّ الإلجاء فيكون الفعل الذي أكره عليه واجبا ، لأنّ الميتة ممّا تعافه النفوس ، وكذلك « 2 » طباع أهل شرعنا تنفر عن لحم الخنزير ، وكذا طباع كثير من الناس تنبو وتنفر ، عن شرب الخمر ، سيّما طباع المتقشفين ، فيزول بذلك الإلجاء ويثبت وجوب ما أكره عليه من ذلك .
وأمّا مثال الثاني ، وهو ما ينتقل بالإكراه من التحريم إلى الإباحة والحسن ،
هامش
( 1 ) قوله : « فانّه لا يصحّ . . . إلى قوله : القلوب » ليس في ( م ) .
( 2 ) م : وكذا .