في ذلك فإن غلب على ظنّه أن من ينكر عليه بفعل المنكر ويوصل إليه الضرر العظيم لم يجب ولم يحسن أيضا ، لأنّه تكون مفسدة ، وإن غلب على الظنّ أنّه يترك المنكر لكنّه يوصل إليه تلك المضرّة ، فإن كان ما يتركه أيسر ممّا يفعله من إضراره ، نحو أن يترك شرب الخمر ويقتله ، فانّه لا يجب الانكار ولا يحسن ، بل يقبح لكونه مفسدة فأمّا إذا كان ما يتركه أعظم ممّا يفعله ، نحو أن يترك كفرا غير أنّه يقتله قال القاضي : إنّ هذا الإنكار قبيح ، وقال الشيخ أبو الحسين : إنّه حسن « 1 » ، واتفق الكلّ على أنّه غير واجب .
وبيان أنّه غير واجب هو أنّه تعالى أباح لنا إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه بالتخويف على النفس ، فلأن يبيح لنا أن نترك غيرنا يفعله إذا خفنا على أنفسنا أولى واستدلّ القاضي على قبح هذا الإنكار بأن قال : هذا الإنكار مفسدة فيقبح بخلاف ترك إظهار كلمة الكفر ، لأنّ فيه إعزاز الدين ، وقال أبو الحسين : إنّه لا فرق بينهما إذ في كل واحد منهما إعزاز الدين « 2 » .
فإن قيل : كيف يكون إظهار كلمة الكفر وما جرى مجراها « 3 » ، مباحا مرخّصا فيه ؟ وتركه مرغّبا فيه عند الإكراه بالتخويف على النفس مع ظنّ وقوع ما خوّف منه عنده ؟ وهل هذا إلّا القول بحسنه مع تجويز كونه مفسدة ؟ .
قلنا : إذا رغّبنا تعالى فيه علمنا أنّه لا تكون مفسدة ، إمّا بأن لا يقع عنده ما يخاف منه ، أو بأن يعلم أنّه لا « 4 » يقع على كلّ حال وإن أظهرنا كلمة الكفر ، فيخرج بذلك من كونه مفسدة .
واعلم إنّه إن صحّ التفصيل الذي ذكر في هذا الباب ، فانّه يصحّ إيراد ما أورد في شروط الوجوب ، وإن لم يصحّ هذا التفصيل فانّه لا يصح إيراده في
هامش
( 1 ) لا يوجد لدينا كتاب الشيخ أبو الحسين .
( 2 ) لا يوجد لدينا كتاب الشيخ أبو الحسين .
( 3 ) ج : مجراه .
( 4 ) « لا » ليس في ( م ) .