قلنا : قد قيل في ذلك وجهان ، أحدهما : أن يبنيها اللّه بنية الأحياء المنفصلة ، فتشهد بذلك ، وثانيهما : أن يخلق تعالى فيها الشهادة ويضيفها إليها .
وكلّ واحد من الوجهين مجاز ، لأنّ الأوّل يقتضي أن اليد والرجل خرجتا من كونهما يدا ورجلا من حيث بنيتا بنية حيين منفصلين ، والظاهر انّما هو إضافة الشهادة إلى الجوارح .
والوجه الثاني فيه أنّ الشهادة من فعله تعالى ، وذلك يقتضي أن يكون الشاهد بتلك الشهادة هو اللّه تعالى « 1 » ، وذلك ينافي ما هو مفهوم من قوله :
« يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ »
« 2 » ، لأنّ المفهوم منه شهادة صاحب اللسان وغيرها من الجوارح .
وقد قيل أيضا : إنّ الشاهد انّما هو العاصي ، فيشهد بما فعل « 3 » ويقرّ به ويبني اللّه أعضائه بنية الكلام ، أي بنية يصحّ بها الكلام . ويقوى هذا الوجه بما أشرنا إليه من أنّ الشهادة مضافة إلى اللسان وغيرها من الجوارح ، ومعلوم أنّ شهادة اللسان هي فعل صاحب اللسان ، وكذا القول في باقي الجوارح ، وهذا كما يقول أحدنا لغيره : أقرّ لسانك بكذا ، وانّما المقرّ هو الحي دون اللسان .
وقد قيل : إنّ ذلك عبارة عن ظهور أمارات وضوح الأمر في لزوم الحجّة لهم والعلم بما فعلوه ، فعبّر عن قوّة العلم بذلك بشهادة الجوارح ، كما قالوا : عيناك تشهد بسهرك ، وانّما يريدون ما قلناه .
وأمّا الصراط
، فقد قيل : إنّه طريق أهل الجنّة والنار المميّزة بينهم . وقيل :
إنّه جسر على جهنم ، وأنّه أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف ، وأنّه يدفع الذين كانوا مكلّفين في الدنيا إلى المرور عليه ، وأنّ المؤمن يمرّ عليه كالبرق الخاطف
هامش
( 1 ) قوله : « وذلك يقتضي . . . إلى قوله : تعالى » ليس في ( ج ) .
( 2 ) النور : 24 .
( 3 ) ج : فعل به .