من غير كبوة وهفوة ، والكافر يمرّ عليه متزلزلا خائفا ، وانّه ينزلق إذا حاذى مكانه في جهنّم ، فيقع فيه وذلك يكون من جنس الثواب والعقاب في حقّ الفريقين ، وذلك بمنزلة اليسر « 1 » في المحاسبة والمناقشة فيها في حقّهما ، وكلّ هذا تجوّز لا يحيله العقول لما لنا فيه من المصلحة ، أي في الإخبار عنه .
وقوله تعالى :
« وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا »
« 2 » يقوّي القول بأنّ الصراط جسر على جهنّم وأنّ الكلّ يمرّون عليه . فأمّا المثاب فيردها ، أي يمرّ على جسرها ليرى ما اعدّ فيها لأهل العذاب ، فتعوّذ باللّه من ذلك ، ويحمد اللّه تعالى على الخلاص منها ويجتاز سالما . وأمّا المعاقب فيمرّ عليه خائفا قلقا ، فإذا سامت مكانه من جهنّم سقط منه فيها .
[ سقوط التكليف عن أهل الآخرة ]
واعلم إنّ أهل الآخرة ليسوا بمكلّفين بالإجماع ، وفي المثابين دليل آخر وهو أنّ من شأن الثواب أن يكون خالصا من المشاق ، وفي امتثال التكليف مشقّة .
وأيضا فلو كانوا مكلّفين لما امتنع أن يقع منهم التوبة فيسقط عقابهم بها ، وذلك غير جائز . وبعد فانّ الإجماع مانع من استحقاق ثواب أو عقاب في الآخرة ، فتحقّق أنّ التكليف زائل عنهم .
فإن قيل : أليس تعالى يأمرهم بالأكل والشرب في قوله :
« كُلُوا وَاشْرَبُوا »
« 3 » .
قلنا : ذلك ليس بأمر ، بل هو إباحة محضة ، وفي الناس من يقول : إنّه امر ، ولكنّه ليس بتكليف ، لارتفاع المشقّة عنهم ، وفائدته الزيادة في فرحهم وسرورهم ، كالضيف إذا علم أنّ مضيّفه يريد منه تناول ما أعدّ له من الطعام والشراب ، فأمّا شكرهم لنعم اللّه تعالى ، فما يرجع منه إلى العلوم والعقائد ، فاللّه
هامش
( 1 ) م : اليسير .
( 2 ) مريم : 71 .
( 3 ) البقرة : 60 .