استقرار الحقّ ، والموضع الذي ذكرتموه لا يصحّ فيه الاستيفاء من غير عارض ، بل لأنّ الحقّ لم يستقرّ في نفسه .
قلنا : المقصود ممّا أوردناه أن نبيّن أنّ إطلاق القول بأنّ صحّة الإسقاط تابعة لصحّة الاستيفاء باطل ولو قلتم بدلا ممّا ذكرتموه أنّ إسقاط الحقّ الذي لم يثبت لساعدناكم على ذلك ، وقلنا معكم ما سبق من أنّا لا نجعل العفو المتقدّم أو المقارن مسقطا ، بل نجعله مانعا على ما شرحناه .
فأمّا إبطالهم العفو بعد المعصية بإقامة الحدود على وجه العقوبة على مرتكبي الكبائر التي عينوها من السرقة والزنا فباطل أيضا ، لأنّا لا نسلّم لهم أنّ الأمر بالحدود على وجه العقوبة يتناول إلّا من علم كونه مستحقّا للعقوبة ، ولم يجوّز العفو عنه كالكفّار ، أو من أعلم اللّه نبيّه أو نائبه بواسطة أنّه تعالى لم يعف عنه .
فأمّا من شككنا في حاله فأنّما يقام عليه الحدّ امتحانا ، كما أنّ من لم يعلم إصراره وشك في توبته يقام عليه الحدّ كذلك . وكذلك القول في المشهود عليه بالسرقة ، فانّما يقام عليه الحدّ أيضا امتحانا ، فادعاء الإجماع في ذلك باطل ، لأنّ المرجئة بأجمعها تخالف فيه وتقول : إنّ من يجوز العفو عنه ، ولا يقطع على ثبوت استحقاقه للعقاب ، لا يقطع جزاء ونكالا وعقوبة . ومن قال منهم بالإحباط منع من هذا من وجه آخر ، لأنّه يجوز أن يكون ثواب الإيمان قد أحبط عقاب الفسق ، فلا سبيل إلى القطع على استحقاق السارق العقاب ومنهم من يزيد على ذلك من الكرامية وغلاة المرجئة ويقول : لا يثبت مع الإيمان عقاب أصلا والبتة ، وهم بأجمعهم يقولون : لا يقطع على سبيل العقوبة والنكال في الحقيقة إلّا الكفّار ، من حيث قطعنا على أنّ عقابهم لا يسقط ، فأمّا فساق أهل الصلاة فانّه لا يصحّ ذلك فيهم لتجويزنا أن يكون اللّه تعالى قد عفا عنهم ، فكيف يدّعي الإجماع على ما قالوه ؟ .
المنقذ من التقليد — صفحة 156
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص١٥٦