عن كثير من العصاة وستره عليهم ، فلا يتحتّم أن يثبت بين الكلام الذي يتعقّبه وصفه ، بأنّه غفور وبين وصفه بذلك مناسبة وملائمة ، بلى يجب ويتحتّم أن لا يكون بينهما منافاة وما يجري مجرى المنافاة ، كأن يوصف بأنّه غفور رحيم عقيب وصفه بأنّه عزيز ذو انتقام وبأنّه شديد العقاب على طريق التعليل لذلك ، أي على أن يراد أنّه شديد العقاب لأنّه غفور رحيم ، وأنّ كونه غفورا رحيما هو الذي يدعوه إلى شدّة العقاب والانتقام من العصاة ، أو كأن يقرأ غالظ : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من اللّه واللّه غفور رحيم ، أو : الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين اللّه إنّ اللّه غفور رحيم ، فأمّا إذا لم يكن فيه التعليل ولم يكن بين الوصفين « 1 » منافرة ، فلا يمتنع أن يوصف بالغفران وبشدة العذاب على طريق الوعد والوعيد ، كما قال تعالى :
« نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ »
« 2 » .
ثمّ نقول : وأيّ مناسبة أشدّ وآكد ممّا بين الحليم والغفور ، ووجه المناسبة بين الوصفين أنّه لمّا وصف تعالى نفسه بأنّه حليم لا يعجّل بالعقوبة وصفه بالغفور اي : وزائدا على أن لا يعجّل بالعقوبة يسقط العقوبة بالكلّيّة عمّن يشاء ، وهذا من أشدّ ما يكون بين الوصفين من المناسبة كقول القائل : إنّ فلانا يمهل غرماءه ولا يتقاضاهم ، وزائدا على ذلك يهب لكثير منهم ماله عليهم « 3 » .
وأمّا استشهاده الثالث ، فأبعد من الأوّل والثاني ، ولا أدري من أيّ وجه يدلّ قوله تعالى :
« وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ »
« 4 » ، على أنّه أراد بالمغفرة الحلم ، وأنّه لا يعجّل عقوبتهم .
هامش
( 1 ) م : الموضعين .
( 2 ) الحجر : 49 - 50 .
( 3 ) ج : ماله .
( 4 ) الرعد : 6 .