غير العارف بحقيقتهما عند « 1 » المتكلّمين أنّا نجيز خلوّ القادر من النفي والإثبات المتقابلين ، نظرا منه إلى معنى الترك في اللغة ، إذ معناه فيها أن لا يفعل القادر ما كان له إليه داع عمّا قدر عليه .
فأقول : الترك والمتروك هما الضدّان اللذان يكون القادر عليهما واحدا ، ويصحّ أن يفعل القادر كلّ واحد منهما بدلا من الآخر مبتدأ بالقدرة ، اعتبرنا تضادّهما لاستحالة اجتماع الترك والمتروك ، وأن يكون القادر عليهما واحدا « 2 » ، لأنّ زيدا لا يترك فعل عمرو ، واعتبرنا أن يصح من القادر عليهما وجود كلّ منهما بدلا من الآخر ، ليكون . وقتهما واحدا ، إذ لو تغاير وقتاهما لصحّ وجود كلّ واحد منهما في وقته ، فيكون الشيء الواحد مفعولا متروكا ، واعتبرنا كون كلّ واحد منهما مبتدأ بالقدرة ، لأنّ المتولّد لا يدخله الترك من حيث إنّ المتولّدات تنقسم إلى ما يقارن سببه كالتأليف والألم ولا ضدّ لهما ، وقد بيّنا أنّ من حقّ الترك والمتروك التضاد ، وإلى ما يتراخى عن السبب ، كالعلم المتولّد عن النظر وما يتولّد عن الاعتماد ، وما هذه سبيله فانّه لا يجوز مع تقدّم سببه ان يترك ما « 3 » يفعله ابتداءً ، لأنّ مع تقدّم السبب يكون مسبّبه بالوقوع أولى ممّا يبتدى به القادر ، فلا يصحّ كلّ واحد منهما بدلا من الآخر .
وإن ترك مسبّب للاعتماد بضدّ له متولد عن اعتماد آخر مكان الاعتماد الأوّل ، لم يخل الاعتماد الآخر من أن يكون مساويا للاعتماد الأوّل أو زائدا عليه أو ناقصا عنه . فإن كان مساويا لم يتولّد عن أحدهما شيء فلا يكون ثمّ ترك ولا متروك ، إذ كلا المسبّبين يبقيان معدومين ، وإن زاد أحدهما على الآخر كان مسبّبه بالوجود أولى من مسبّب الآخر ، فبطل بذلك ما اعتبرناه من
هامش
( 1 ) م : إلى العارف بحقيقتهما عن .
( 2 ) قوله : « ويصحّ أن يفعل . . . إلى قوله : عليهما واحدا » سقط في ( ج ) .
( 3 ) م : يتركه بها .