منع السّمع منه . وإنّما الذي يخالف في حسن ذلك من جهة العقل هو جعفر بن مبشّر ومن ذهب مذهبه من معتزلة بغداد ، كالبلخيّ وأصحابه .
والذي يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه هو أنّ العقاب حقّ للّه تعالى ، إليه قبضه واستيفاؤه ينتفع من يستحقّه تعالى عليه بإسقاطه عنه ، وليس في إسقاطه وجه قبح ، فيحسن منه تعالى إسقاطه ، ويسقط بإسقاطه ، كالدين الذي يكون للبالغ العاقل على الغير ، فانّه يسقط بإسقاطه لاجتماع هذه الأوصاف فيه ، وهي كونه حقّا له وإليه قبضه واستيفاؤه وانتفاع المديون بإسقاطه عنه .
فإن قيل : أليس ذمّ العقلاء الفاعل للقبيح حقّا لهم ؟ ولهم أن يفعلوه ؟
والمذموم يستضرّ به وينتفع بسقوطه عنه ، ومع ذلك لا يسقط بإسقاطهم ؟ .
قلنا : قد تحرّز من استدلّ بهذه الطريقة من المتقدّمين عن ذلك ، بأن اعتبر في الدليل وليس في إسقاطه حقّ الغير هو الأصل ، والذمّ لو سقط عن فاعل القبيح أسقط العقاب ، وهو حقّ للّه تعالى ، هو الأصل .
فإن قيل : فكذلك إذا أسقط اللّه تعالى العقاب تبعه سقوط الذمّ ، وهو حقّ العقلاء .
قالوا : الذمّ تابع للعقاب ، وليس هو الأصل ، بل العقاب هو الأصل ، ويجوز إسقاط الحقّ وإن تبعه إسقاط حقّ الغير إذا كان تابعا له ومترتّبا عليه . ولا يجوز إسقاط حقّ يتبعه سقوط حقّ آخر هو الأصل .
قال أبو الحسين البصري : الأولى أن يجاب عن أصل السؤال فيقال : إنّ الذمّ ليس هو حقّا لأنّه قول ينبئ عن اتّضاع حال الغير فهو جار مجرى الخبر الصدق ، فكما لا يقبح أن يخبر الإنسان عن فاعل القبيح بأنّه فاعل القبيح ، وعن الطويل بأنّه طويل ، ولا يجوز إسقاط حسن ذلك ، فكذلك الذمّ .
ولكنّه يمكن أن يقال : كيف نقول لا يجوز إسقاط حسن ذلك ، ومعلوم أنّ اللّه تعالى لو عفى عن العاصي لما حسن ذمّه ؟ .
المنقذ من التقليد — صفحة 105
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص١٠٥